عندما كُنْتُ أكتب في السابق عن كادر المهندسين السعوديين، مُطالِبًا باعتماده لهم، ممّا يليق بأهمية مهنتهم، ويُلبّي احتياجاتهم المعيشية، بل حتّى.. قد يجنّبهم الفساد بما فيه من رواتب أعلى وحوافز تكفيهم وتُغنيهم بالحلال عن الحرام، كان بعضُ الناس يعيبُ عليّ بأنّني أُشَخْصِنُ كتاباتي لِكَوْنِي مهندسًا، وأستغلّها للاستفادة الذاتية، وهذا غير صحيح، إذ كان هدفي هو تحقيق المصلحة العامّة لزملاء المهنة ما اسْتَطَعْتُ إلى ذلك سبيلاً، ويا بخْتْ من نَفَّعَ واسْتَنْفَعَ، كما يُقال في الأمثال المكيّة!.

والآن، وقد تركْتُ وظيفتي الحكومية، ولم يُعتمد أيُّ كادر حتّى تاريخه، فهل أدعُ الكتابة عنه؟ كلّا وألف كلّا، وها آنذا أُعِيدُ الكتابة ربّما للمرّة «التسعطعشر»، فإن رُزِقَ المهندسون دوني بالكادر فنِعِمّا به، وأرجو الله أن يكون شفاعةً حسنةً لي منها نصيبٌ من الأجر، وإن لم يُرزقُوه فعلى الأقلّ قُلْتُ كلمتي ومَشْيْت!.

ودعوني أعُدْ للبداية، وأوضّح سبب عدم تخصيص كادر للمهندسين، وهو عدم وجود وزارة واحدة معنيّة مباشرةً بهم، كما هو الحال بالنسبة للأطبّاء مع وزارة الصحّة، فتفرّقت دماء المهندسين بين الوزارات المختلفة، ودُمِجُوا في أنظمتها الوظيفية الداخلية التي منها ما هو لائق بهم، ومنها ما هو غير لائق، ولم تقدر هيئة المهندسين المُنشأة بعد ذلك على عمل معجزة بإقرار الكادر، وتحميلها المسؤولية هو ظُلْم لها، فإن تطلب شيئًا من جهة ضعيفة هو العجز نفسه، كما لم يتحمّس مجلس الشورى لعمل شيء رغم أنّه كان الجهة الأنسب لذلك فيما لو شاء، ولكنّه لم يشأْ، وكان مهندسو الخدمة المدنية -وما زالوا- هم الأكثر تضرّرًا من عدم إقرار الكادر، حتّى إنّ درجات ترقيتهم الوظيفية يتنافسون عليها مع خرّيجي التخصّصات الأدبية، وفي هذا إجحافٌ لهم مع احترامي لأصحاب الأدب، عكس مهندسي التشغيل والصيانة الذين دُمِجُوا في وزاراتهم ومؤسّساتهم وتميّزت رواتبهم وحوافزهم كثيرًا عن مهندسي الخدمة المدنية!.

وبعد توحيد وزارتي الخدمة المدنية والعمل ضمن وزارة واحدة هي وزارة الموارد البشرية، يلوح لي أملٌ جديد، ونورٌ في نهاية النفق، بأنّ تكون الوزارة الجديدة هي أمّ المهندسين، فتتبنّاهم جميعًا، في القطاعين الحكومي والخاص، وأن تُوحّد النظام الوظيفي لجميعهم، وتُقِرّ كادرًا لهم، فيعمل المهندس السعودي أينما يشاء، في جهة حكومية أو شركة خاصّة، تحكمه لوائح الكادر، وتُلْزِم الوزارة جهته أو شركته بها، ليجد المهندسون السعوديون أنفسهم في بيئة مُوحّدة لا ظلم فيها على بعضهم، ولا تمييز بينهم ولا تفاضل، بل بيئة تنافسية وتكاملية شريفة!.

وبموازاة ذلك، أدعو الوزارة لإيجاد وظائف للمهندسين العاطلين، فالمهندسون الأجانب يفوقونهم عددًا بكثير، ويفوقونهم في فرص العمل، في زمن ما قبل رؤية ٢٠٣٠ وخلالها، فإن لم ينصرهم الوطن فمن ذا الذي ينصرهم من بعده؟.

اللهم انصر المهندسين السعوديين نصرًا مُبينًا!.