يطمح الأفراد والمجتمعات دوماً، وبشكل طبيعي، إلى التطوّر والنمو والازدهار اجتماعياً واقتصادياً وفكرياً.. إلخ.

ولكي تكون تنمية المجتمعات «مُستدامة»، يجب الاهتمام بالجوانب المختلفة التي «تفي باحتياجات الحاضر وفي نفس الوقت لا تستنزف الموارد وتضمن حقوق الأجيال القادمة لتستطيع الوفاء باحتياجاتها».

لقد تطرّق المقال الأخير إلى الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة (SDGs) حيث تم إبراز الدور القيادي للتعليم في تحقيق التنمية.

سنركّز اليوم على دور القطاع الخيري في تحقيق التنمية من خلال دعم مشاريع التعليم، ونلمح إلى بعض المنافع التي تعود على القطاع الخيري من «الاستثمار» في مجال التعليم.. مع التنويه إلى أن التعليم مقصودٌ هُنا بمفهومه الواسع الذي يشمل اكتساب المعارف وتهذيب السلوك وتنمية المهارات الشخصية والتأهيل المهني.

عادةً ما تهدف مؤسسات القطاع الخيري إلى مساعدة المحتاجين والفقراء لتوفير احتياجاتهم الأساسية ومقوّمات الحياة مثل الطعام وخدمات المياه والخدمات الصحية والتعليم ويكون ذلك بتوزيع السلال الغذائية، وحفر الآبار، وبناء المدارس والجامعات، وبناء وتشغيل المستشفيات والمراكز الصحية، ورعاية حملات الخدمات الصحية المختلفة، وتقديم برامج القروض الميسّرة، ودعم الأبحاث العلمية في مجالات محددة، إلخ.

إلا أن للتعليم أهميته الخاصة في العمل الخيري التنموي.. يشير تقرير جامعة هارفارد (العمل الخيري العالمي) إلى أن «التعليم هو الأولوية القصوى لمنظمات العمل الخيري حول العالم. ويُنظر إلى التعليم بأنه مفتاح لمنح الفرصة للأفراد والمُحرّك لازدهار الاقتصاد الوطني»، ويرصد التقرير تركيز 35% من الهيئات الخيرية على دعم قطاع التعليم (بينما النسبة للقطاع الصحي لا تتجاوز 20%).

ومن منظورنا نحن كمسلمين، يكاد يتحقق في «الاستثمار الخيري» في مجال التعليم كل ما ورد في حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم [إِذَا مَاتَ ابنُ آدم انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أو عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ].

إن في دعم المشاريع التعليمية «صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ»، وفي تأسيس المدارس والجامعات «عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ»، وغالباً، بإذن الله، مع تخريج كل مُتعلّم، يكسب المجتمع ولد صالح (ما لم يقتصر العلم على اكساب المعارف فقط بل شمل أيضاً تزكية الأخلاق).

لقد بزغ نور الإسلام إلى البشرية بكلمة العلم (اقرأ)، وازدهرت حضارتنا من خلال رعاية العلم وأهله، ومن ذلك تخصيص أوقاف متنوّعة أسهمت بنصيب وافر في نمو الحركة العلمية وكانت تمثّل المورد الأساسي للمدارس العلمية. روى الرحالة الشهير ابن جبير أنه شاهد «في بغداد نحو ثلاثين مدرسة، كل واحدة منها في قصر وبناية كبيرة... وللمدارس أوقاف وعقارات للإنفاق عليها وعلى العلماء والدارسين فيها. وكان وقف «نظامية بغداد» خمسة عشر ألف دينار شهرياً، وتخرج منها أكابر العلماء». كما يُروى أنه كان من رواتب شيوخ الأزهر الشهرية، راتب يأخذه الشيخ لنفقات بغلته.

ما الفضلُ إِلا لأهلِ العلمِ إِنهمُ

على الهُدى لمن استهدى أدلاءُ

وقيمةُ المرءِ ما قد كان يحسِنُهُ

والجاهِلونَ لأهل العلمِ أعداءُ

فقمْ بعلمٍ ولا تطلبْ به بدلا

فالناسُ مَوْتى وأهلُ العلمِ أحياءُ

* رئيس برنامج الملك عبدالله بن عبدالعزيز (KAAP) بالبنك الإسلامي للتنمية