قبل فترة غرد الصديق الكاتب عبدالعزيز النصافي على حسابه في تويتر بالقول: «الكتابة عن الأسماء المستهلَكة مملةٌ، لا تجذب القارئ»، ثم أردف بمقال في الصفحة الثقافية بصحيفة الرياض أبان فيه أهميةَ تحويل الأضواء عن الأسماء الثقافية المبدعة التي (استُهلكتْ إعلاميًّا) بسبب الكتابات المتعددة عنها عبر الوسائط المختلفة.. تخفيف الأضواء عن الأسماء -أو قل القامات الثقافية- التي لها تاريخها ومنجزها لا يعني الكفر بها وبمنجزها، ولا يعني انتهاء فاعليتها، أو هبوط منحنى إبداعها، أو عدم استحضار أسمائها ومنجزها حين الحديث عن مسيرة الثقافة والمثقفِين السعوديين، أو عدم استضافتها في اللقاءات والمناسبات الثقافية، أو الكتابة عنها أو تكريمها، وإنما يعني (ترشيد) تلك الكتابات والاستضافات، وهو ما يعني إفساح المجال (بشكل أوسع) أمام وجوه ثقافية جديدة طال وقوفُها على رصيف الانتظار؛ حتى تتمكن من أخذ مكانها المستحق في منصة الاعتراف بمنجزها الثقافي، من خلال تسليط الضوء عليها وعلى منجزها؛ بالكتابة عنها وعن منجزها -متى كان مستحقًّا- واستضافتها. في المَثَل الشعبي (مَن سَبقْ لَبَقْ)؛ بمعنى أن مَن جاء أولاً فالمقدمة ستبقى حصرًا له ولن تتحول لغيره مهما تبدلت الظروف، ويبدو أن المشهد الثقافي -ومثله التعليمي والإعلامي والاجتماعي والرياضي..- قد تأثر بالمثل السابق، فأصبح السابقون الأولون هم سادة المشهد -مع كامل الاحترام لتاريخهم ومنجزهم- ما جعل الأجيال التي أعقبتهم تظل -بحسب العُرف السائد في المشهد الثقافي- تاليةً لهم في كثير من الأمور، ومن ذلك قضية الكتابة عنهم واستضافتهم وتسليط الأضواء عليهم.

الأمر المؤكَّد أن لكل كتلة تاريخية أعلامها ورموزها الذين برزوا فيها وكانوا أصحاب ريادة ومنجزات ثقافية، لكن من الحيف أن تستحوذ الكتلة التاريخية (الأقدم) على تفاصيل المشهد الثقافي كافة، سواءً بإيعاز مباشر من رموزها، أو بفعل حالة الانبهار لدى البعض بتلك الكُتلة التاريخية؛ فلا يرى هؤلاء البعضُ أحدًا يستحق الاحتفاء والأضواء إلا رموز تلك الكتلة.

المشهد الثقافي السعودي عبر مسيرته متخم بالأسماء والرموز الأدبية والثقافية الكبيرة التي لم تنقطع منذ اللحظة الأولى لظهور الحركة الأدبية في المملكة حتى اليوم، ولذا فمن حق كل جيل ألا يبقى مرتهَنًا -بفعل توجيه الأضواء لبقعة واحدة- لرموز جيل معيَّن سبقه في المسار نفسه، من حق الأسماء المبدعة الجديدة البارزة ذات المنجَز القيم أن تأخذ مكانها في منصة الأضواء، وهي إن لم تبلغ الكمال بعدُ فالإشادة بها والكتابة عنها ستدفع بها لتخوم الكمال، أسوة بالأسماء المبدعة المستهلكَة التي لم تولد مكتملة الإبداع وإنما تدرجت حتى شارفت على تخومه.

ولذا فأنْ يكتبَ كاتبٌ عن شاعر مبدع لم تهتدِ إليه الأضواء بعدُ فهو بهذا يفتح مصاريع كانت مغلقة، ويحوِّل الأضواء لمنطقة كانت شبه معتمة، ويُسهم في تعزيز الموهبة والإبداع لدى الشاعر، وهذا الكاتب يستحق الإشادة؛ كونه لم يكرر نفسه حينما لم يعمد للتعريف بالمعرَّف، ولو فعل ذلك فإنما يضيف نسخةً جديدة لنُسَخ المقالات المكررة. وقل مثل هذا عن الإعلامي الذي يحاور مفكرًا غير مستهلَك، وعن الناقد الذي يقرأ للقاص أو الروائي غير المكرر، وعن الصحفي الذي يسلط الضوء على فنان تشكيلي مغمور. هذه النماذج (الكاتب، الإعلامي، الناقد..) الخارجة عن المألوف هي التي تستحق الإشادة والمتابعة، وتصبح متابعتها مشوقة وغير مملة؛ كونها لم تبحث عن تسويق نفسها من خلال (الأسماء المستهلَكة)، وإنما أعملت أدواتها في جدار التجاهل حتى فتحت فيه كُوىً جديدة أبرزت لنا من خلالها أسماء مبدعة غير مستهلَكة. ما يقال عن تكرار الكتابات واللقاءات مع الأسماء المبدعة المستهلَكة يقال أيضًا عن (الدعوات والاستضافات واللقاءات) الموسمية، التي تكاد تتكرر مع أسماء (بعضها) مستهلَك أيضًا.