لا يزال للريال السعودي الفضَّة شنَّة ورنة، وذكرى طيِّبة، لمَّا كان وسيلة البيع والشراء، وقبض رواتب الموظَّفين والعمَّال قبل حلول الريال الورقي محلَّه.. ونترحَّم كجدودنا نحن من عايش تلك المرحلة على أيَّامه التي كانت ريالات فضيَّة قليلة تسدُّ احتياجات العائلة من طعام وشراب.. واليوم يقابلها ما يقرب من نحو ألف من الريالات الورقيَّة لكأنَّ البركة قد طارت منها وذلك بسبب الغلاء وارتفاع الأسعار!

فزكاة الأموال والمحاصيل الزراعيَّة والحيوانيَّة كانت ضمان تحقيق التكافل بين الأغنياء والفقراء.. ولم يدر في خلدهم أنَّ متطلَّبات مجتمعاتهم غيرها اليوم، كانت محدودة للغالية، وتتَّصف بالقناعة بما هو متيسِّر من طعام وشراب، وخدمات أوَّلية بدائيَّة تغطَّي الحكومة تكلفتها من مكوس الجمارك والأوراق ذات القيمة.. لم يقدِّروا تكلفة الخدمات المتوفِّرة اليوم من شبكات الاتِّصالات والمواصلات البريَّة والحديديَّة والجويَّة والبحريَّة، والمدارس والكلِّيات والجامعات للجنسين، والرعاية الصحيَّة والمستشفيات، وخدمة الحرمين الشريفين وقاصديها من مختلف أرجاء العالم، وغيرها الكثير من الخدمات التي تتكفَّل بها الحكومة، وتسدِّد نفقاتها من دخلها من الموارد الطبيعيَّة التي أكرم الله بها مملكتنا، فغيَّرت أسلوب معيشتنا إلى الرخاء والرفاهية، موفِّرة كلَّ احتياجاتنا من متطلَّبات الحياة العصريَّة بعد عقود عديدة من الحاجة والفاقة.

يذكر من عاصر بدايات نشوء المملكة أنَّ رواتب الموظَّفين لم تكن منتظمة الأداء وقت استحقاقاتها.. ففي بعض الأحيان كانت تصرف لهم بدلًا من الريالات الفضيَّة كميَّات قليلة من الرز والبرِّ والقهوة، وقطع من اللحم يسدُّون بها جوعهم ومن يعيلونهم.. ونظرة خاطفة إلى جيراننا من العرب الذين لم يبخلوا علينا بزكاة أموالهم وقت غناهم وفقرنا، وما آلت إليه أوضاعهم الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة اليوم، وما نحن عليه من رفاه في العيش والاستقرار، يحتِّم علينا بعد شكر المولى على فضله وكرمه أن نقدِّر لأولي الأمر في بلدنا جهودهم الحثيثة لتأمين متطلَّبات العيش الكريم، والحفاظ على قوَّة الريال السعودي بين العملات الأجنبيَّة.. وكلُّ هذا يتطلَّب من الأموال ما تعجز عن الوفاء به واردات الحكومة اليوم من الموارد الطبيعيَّة لتدنَّي أسعار البترول من جهة، والزيادة المضطردة في عدد السكَّان ومتطلَّباتهم، والالتزامات تجاه الدول الشقيقة والمجتمع الدولي من جهة أُخرى ممَّا يحتِّم على الحكومة استحداث موارد ماليَّة غير مسبوقة.. فكانت الضريبة المضافة التي تعني إسهام المجتمع بأطيافه كافُّة في تغطية عجز الميزانيَّة.

وجدير بالتنويه أنَّ أكثر شعوب العالم رفاهية اليوم، وفي مقدِّمتها الدول الإسكندنافيَّة هي الأعلى في تحصيل الضرائب من المقتدرين من سكَّانها، وتتجاوز الخمسين من المئة عند بعض أطياف مجتمعاتهم نظير ما تنعم به أممهم من رقيِّ بالخدمات.. فلكلِّ شيء من متطلَّبات الحياة ثمنه.