لا أعرف لماذا قرأت كتاب معالي الدكتور عبدالعزيز خوجه (التجربة) كرواية وليس سيرة ذاتية أو توثيقًا سياسيًا، لعل كثرة الأماكن والأحداث والشخصيات سببًا رئيسًا في ذلك بالإضافة الى الاستهلال بالحالة الإنسانية اجتماعيًا في الفصل الأول والتي اشعرتني أن وفاة والده بمثابة أكبر وآخر الأحزان كما فعل ميخائيل نعيمة في كتابه «جبران خليل جبران» حيث استهل الفصل الأول بالحشرجة وغرغرة الاحتضار -غر.. غر.. غر-، أيضًا ما تميزت به كل فصول الكتاب من سرعة في المشاهد حتى وإن كان عددها كبيرًا كما الحال في الفصل السابع الذي خصص عن سفارة لبنان من أسباب قراءتي الكتاب كأنه رواية.

أحسب أن مخرجي السينما والتلفزيون ينظرون الى الروايات التي تكتب أصلا للقراءة انها جماد، وبرؤيتهم الفنية تحول تلك الروايات الى جسد فني فيه حياة، ولذلك أعتبر الأديب الكبير الروائي نجيب محفوظ أن ما أخرجه حسن الإمام لم يكن روايته فالتي كتبها هي روايته -أحسب انه هكذا قال- غير ان بعض كتاب الرواية والقصة يكون لديهم بعد فني فيجعلون ضمن نصوصهم بعض النوافذ مشرعة تتيح الفرصة لمخرجي السينما والتلفزيون للدخول الى عمق قصصهم ورواياتهم وتساعدهم بشكل كبير على تحويل تلك الروايات والقصص الى أعمال تلفزيونية أو سينمائية، وفي ظني أن سرعة المشاهد وتنوع الأحداث ومزج السياسة بالأدب بالجانب الاجتماعي في كتاب معالي الدكتور خوجه نوافذ مشرعة للمخرجين أصحاب الخيال والقدرة الفنية المهنية حيث تعتمد السينما والتلفزيون على الصورة أكثر من اعتمادها على الكلام.

الحديث عن الكتاب (التجربة) يختلف عن الحديث عن شخصية الكاتب لكن الأمر بالنسبة لي يصعب الفصل فيه، لأنني غير مختص في النقد الأدبي ولمعرفتي بالكاتب -معرفة محدودة- فهو الوكيل والوزير وأنا موظف، ولكن ليس لدرجة الابتعاد عن المضمون.

بعد مغادرة معالي الدكتور عبدالعزيز خوجه وزارة الثقافة والإعلام أقيمت له حفلات عدة لتكريمه كما ذكر ذلك في الفصل الثامن والأخير ومنها حفل «منتدى أمطار» للأستاذ نجيب الزامل -يرحمه الله-، وقد دُعيت الى ذلك الحفل وطلب مني أن ألقي كلمة بالمناسبة، وقد تحدثت كموظف وليس كصديق لمعاليه فقلت: (بعضنا صنف معاليه أنه من الدراويش، وكما تعلمون هو ليس كذلك لكنه محترف للدبلوماسية لدرجة اقناعك انه من الدراويش).. وهذا بالفعل ما حاول الدكتور الخوجه ايهام القارئ به في مواقف عدة في الفصول الأولى وساعده في ذلك استعراضه لحياة النشأة في مكة ثم تركه الدراسة في القاهرة المناخ الخصب للإبداع خاصة في الخمسينيات الميلادية من القرن الماضي ليكمل دراسته الجامعية في الرياض التي لم تكن كرياض اليوم، وحديثه عن سفارته في المغرب وكيف كان يتلمس مواطن الجمال ومصادره من خلال علاقاته الثقافية والفنية التي امتدت الى زياراته المتعددة للأندلس ومواقع استنهاض الهمم والهام الشعراء.

وكإذاعي متقاعد بحثت عن موقع الإذاعة في الفصل الثامن من الكتاب الذي خصص لتولي معاليه وزارة الثقافة والإعلام فلست على دراية بالسياسة أو الدبلوماسية لأتحدث عن ما اشتمل عليه الكتاب من أحداث وظروف ومواقف سياسية ودبلوماسية فأحزنني ان حديث معاليه عن الإذاعة كان أقل من عابر بل أن معاليه لم يشر ولو بجملة قصيرة عن إذاعة نداء الإسلام التي تحولت في عهده الى إذاعة مستقلة تبث بموجات مستقلة على مدار الساعة بعد أن كانت تبث فترتين منفصلتين على مدى خمسين عامًا كل فترة لا تزيد عن ساعتين، حيث استصدر معاليه موافقة مجلس الوزراء على ذلك التطوير بعد أن ظل حبيسًا ادراج مكاتب من سبقوه من الوزراء منذ أن صرح في عام 1403هـ معالي الدكتور محمد عبده يماني -يرحمه الله- عندما كان وزيرًا للإعلام ان إذاعة نداء الإسلام سوف يبنى لها مقر في مكة يشمل ثمانية استديوهات وتكون مستقلة ببثها وكان حينها الدكتور الخوجه وكيلا للشؤون الإعلامية.

يبدو ان معاليه أيضًا تعامل مع الإذاعة في هذا الكتاب كما قال لي ذات يوم مدير عام الإذاعة «الأسبق» الأستاذ حسين العسكري: (التلفزيون يا أخ عدنان هو الابن الشرعي ل

لإذاعة لكن البعض يعاملنا على اننا أبناء الزوجة الأولى!).

على العموم أنا شخصيًا سامحت معالي الدكتور عبدالعزيز خوجه -دنيا وآخرة- وأرجو أن يسامح معاليه مراقب المدرسة في المرحلة الابتدائية الذي وضعه في الفلقة وضربه بالعصا على قدميه ضربا شديدًا بسبب ان معاليه كان يمتطي دراجة في اليوم السابق فلما رأى المراقب ذهب اليه مسلمًا فأصرها المراقب في نفسه وأخرجها ضربًا مبرحًا في صباح اليوم التالي فأثرت تلك الحادثة في نفسية معاليه حتى قال (ولن أسامحه، حتى آخذ حقي منه عند رب العالمين).. نعم أرجو معاليه أن يسامحه فجزاء العفو أرقى وأكبر من أخذ المظلمة.

أخيرًا شكرًا جزيلا للصديق الأستاذ عمر جستنية على تفضله بإهدائي الكتاب وانصحه ألا ينتظر قيمته من معالي الدكتور الخوجه كما ألمح الى ذلك فقد حالت ظروف توقف الرحلات الجوية الى عدم وصول نسخ كثيرة لمعاليه حتى يتمكن من اهدائها فبادر الأستاذ جستنية باستيراد نسخة لي، كما أرجو صادقًا أن تلتفت «جداول للنشر والترجمة والتوزيع» التي صدر عنها كتاب التجربة للإنتاج الفني وتقوم بإنتاج عدد من الأعمال التي تصدرها فهي بحق اصدارات لها قيمتها الثقافية الكبرى.