يأتي بعض العقلانيين فيرسمون علامات التعجب ودوائر الشك أمام بعض الحقائق والمعجزات الإلهية التي يَقصُر عنها إدراكهم ولا يجدون لها مَخرجًا ماديًّا محسوسًا يجعلهم يطمئنون له ويصدرون عنه.. إشكالية بعض العقلانيين هي توقفهم عند المجردات والمحسوسات مما تُبصره العين، وتتحسسه الأنامل، ويثبت بالتجربة ويهتدي له العقل، أما ما فوق ذلك مما يدخل في عالَم الغيب، أو يُعد من الآيات والمعجزات الإلهية، فإنهم لا يطمئنون له، ولا يتعاطونه إلا من باب المصادرة والإنكار حتى يثبت لديهم وِفق أدواتهم.

من الشواهد التي ربما لا يطمئن لها بعض العقلانيين ويرونها لا تثبت إلا بدليل مادي، ما ورد في الذكر الحكيم حينما أمر الله تعالى سيدنا إبراهيم عليه السلام -بعد فراغه وابنه إسماعيل عليه السلام من بناء الكعبة- أن يؤذِّن في الناس بالحج فقال: «وأذِّنْ في الناسِ بالحَجِّ..»، والأذان هو رفع الصوت بالكلام المُراد تبليغه للناس، والناس هنا ليس المقصود بهم فقط الذين في محيط البيت الحرام ممن يصلهم نداء إبراهيم عليه السلام ويسمعونه منه مباشرة، أو حتى الذين يلونهم ويمكن أن يصلهم مضمون النداء مضمَّنًا في أحاديث الناس، وإنما المقصود بهم سكان المعمورة (الكرة الأرضية) كافة.

ثبوت أذان إبراهيم في الناس بالحج قطعيُّ الدلالة بنص الآية السالف ذكرها، ومع هذا فربما يقف الناس حوله موقفَين: موقف مَن يؤمن ويُسلِّم بحصول الأذان، ويؤمن ويُسلِّم بوصوله إلى الناس كافة بأي وسيلة اختارها الله ولا تدركها قدرات الإنسان القاصرة، وموقف مَن ربما يؤمن بحصول الأذان، لكنه قد يشك في وصوله إلى الناس كافة؛ نظرًا لقياسه ذلك الأمر على المألوف لديه؛ حيث يحتاج الصوت لوسيلة فورية محسوسة تحمله إلى أقاصي الأرض، وهذا لم يكن حاصلاً زمن إبراهيم.

مشكلة من يقف هذا الموقف أنه يقيس الأمر على ما هو مألوف لديه، حيث تحتاج الرسالة إلى وسيلة (محسوسة) تحملها من المرسِل إلى المُرسَل إليه، وعندما تنتفي الوسيلة يَجزم بتعثر الرسالة وعدم وصولها، لذا يلجأ للعقل، فيَعرِض عليه المسأله ليجري عليها عملياته ثم يُصدر قراره تجاهها.. ولأن العقل مهما أوتي من قدرة يظل قاصرًا عن بلوغ أسباب العلل، عاجزًا عن إدراك ما وراء الغيب، غير قادر على تفسير كل ما هو كائن وما سيكون، لذا يعود في مثل هذه الحالات «خاسئًا وهو حسير»، وليس من مشجب يعلق عليه عجزه إلا أن يُطلق على مثل هذه المسألة (خرافات) لا يقبل بها العقل، و(أساطير) لا يمكن إخضاعها للتجربة كي تتبين علتها وصحتها، وهذا لا يُفهَم منه مصادرة أهمية العقل وأدواره، لكن أدواره تظل في حدود ما تسمح به قدراته، ولا تسمح قدراته كما عند (كانط) «إلا بمعرفة العالَم المحسوس أو عالَم الظواهر» وِفق ما ذكره مجدي كامل في كتابه (إيمانويل كانط فيلسوف عصر التنوير..).

والخلاصة أن إبلاغَ اللهِ الناسَ أذانَ إبراهيم بالحج يعد أمرًا في غاية البساطة حين النظر لقدرة الله العظيمة، وقد تكشَّف للبشر اليوم جزءٌ ضئيل من هذه القدرة ‏عندما أتت (التقنية الحديثة) لترينا كيف أن زعيمًا كبيرًا باستطاعته اليوم إيصال صوته لكل من في الأرض (في وقت واحد) بواسطة (البث المباشر).. فإذا كانت هذه قدرة البشر -وهم الذين لم يُؤتوا من العلم إلا قليلاً- فما ظننا بقدرة رب البشر؟!.. وحجًّا مبرورًا، وسعيًا مشكورًا نرجوه لحجاج بيت الله في هذا الموسم (الاستثنائي)، تحوطهم عناية الرحمن، وترعاهم مملكة الأمن والأمان.