كانت تجربة تعليم العربية للناطقين بغيرها في بريطانيا من التجارب المهمة والمؤثرة في فهمي لأهمية استثمار اللغة العربية والأبعاد الثقافية والروحية المتصلة بها.. ذكرت سابقاً أنني خضت التجربة عن طريق الرابطة الثقافية للطلاب المبتعثين في جامعة ليدز البريطانية خلال العامين (2011-2012م)، وقد لاحظت مع الزملاء المشرفين على البرنامج أن دوافع المنضمين للفصول كانت متباينة: دينية، وثقافية، ولغوية ومهنية.

وقد كان البرنامج نافذة للطلاب يطلون منها إلى عالمنا العربي، أما بعضهم فقد كان يستخدم هذه النافذة ليقفز إلى العالم العربي قفزاً.. وقد كنت مرةً طرفاً في تجربة تصلح مثالاً؛ كان من بين المسجلين في الفصل الذي درسته عام 2012م، مهندس تركي وزوجته الروسية.. يمكن القول إنه كان عبقرياً، إذ كان يحمل شهادتيْ دكتوراه في الهندسة، وفي موضوعات دقيقة جداً، ما حدا بجامعة ليدز للاستفادة من خبراته جزئياً.. لعله كان يواجه مشكلة نفي من بلاده، أو أنه معارض كان يطلب اللجوء السياسي هناك.. لا أعلم بالضبط، لكن ما أعلمه أن ذلك الرجل علمني من التواضع والمثابرة الكثير.. (يكفي أنه قضى شهوراً معي في الفصل، ولم أعلم أنه دكتور «أو دكاترة» في الهندسة إلا من خلال زميل يدرس في كلية الهندسة هناك).

قلت إن هذا المهندس كان مثالاً للمثابرة والأدب ورغبة التعلّم، فقد كان مع زوجته في فصل المبتدئين، وكان نهماً مهتماً بصورة تدعو للعجب، لكنّ ذلك لم يكن الحال مع الزوجة الروسية؛ فقد كانت خجولة ومتحفظة جداً إلى درجة أن خجلها كان عائقاً واضحاً في البداية أمام تقدّمها الدراسي.. ورغم ذلك فقد ثابر زوجها المهندس التركي باستمرار لمساعدتها من أجل تجاوز الحواجز النفسية واللغوية، وقد أثمرت محاولاته كثيراً، حين أصبحا لاحقاً مثالاً يحتذى في التفاعل وسرعة التطور في تعلّم اللغة العربية.

هذا الحماس قاد إلى تعمّق علاقتي بهما خارج الفصل، فأصبحا صديقين قريبين لي بعد ذلك.. وفي إحدى المناسبات أخبرني الزوج عن حلمهما للسفر إلى مكة المكرمة لأداء فريضة الحج، وعن صعوبة تحقيق الأمر مادياً وإجرائياً، فبادرتُ إلى القول إني سمعتُ أن فرصتهما للحصول على الموافقة من هنا، من لندن، أكبر.

فالتقط الزوج مني هذه المعلومة وراح يسألني بإلحاح عن تفاصيل لم يكن لي علم كافٍ بها، لكني أخبرته أن هناك جهاتٍ خيرية تتكفل برحلة الحج للراغبين، ويمكن أن أتواصل مع إحداها للنظر في إمكانية تسجيلهما ضمن قوائم المختارين للحج.

أتذكر...

كنا نسير في جادة غير بعيدة من الجامعة حينها، وكان الوقت مساءً، والجو بارداً وماطراً، حين قلت لهما ما قلت.. وكانت ردة فعل الزوجين عاطفية مؤثرة؛ إذ ظل الزوج ينظر إليّ غير مصدّقٍ، ثم اكتظت عيناه بدمعٍ متردد بين الفرح وعدم التصديق، ونظر إلى زوجته التي كانت تراقب بتوتر، ليغيب الزوجان -بعد ذلك- في عناقٍ اختلط فيه نشيجهما بمطر الشمال الإنجليزي وبردها.