ليس كلّ ما يتداوله النّاسُ في وسائل التواصل الاجتماعي مثل غُثاء السيل الذي يذهب جُفاء، إذ أنّ بعضه يمكث في الأرض وينفع الناس، كما يمكث في القلوب ويُحرّك المشاعر والأحاسيس.

ومن ذلك مقطع فيديو الفيلم الكرتوني عن زوج وزوجة اتّفقا على عدم فتْح باب بيتهما لأيّ شخص يطرقه خلال أسبوع زواجهما الأول، مهما كان ذلك الشخص!.

وفي اليوم الأول أتى أبو الزوج فلم يفتح ابنُه البابَ له تنفيذاً للاتّفاق، أمّا في اليوم الثاني فقد أتى أبو الزوجة، فلم تفتح ابنتُه البابَ له في البداية، وقبل أن يعود أدراجه جارّاً لأذيال الخيْبة شاهدته خِلْسَةً من النافذة، فرقّ قلبُها عليه، ولم تقدر على تنفيذ الاتفاق، وفتحت له الباب وعانقته بحرارة، ودموعها تجري على وجنتيْ عروسٍ خدراءٍ زيّنهما الخجل، واحتفلت به متجاهلةً زوجها الذي ظلّ يراقب المنظر بتأمّل وتفكُّر!.

ومرّت السنين، وبعد أن رُزِقَ الزوجان بابنيْن ثمّ ابْنة، وعندما كَبِرَ الثلاثة قرّر الزوج الأب الاحتفال بذكرى ميلاد ابنته فقط دون ذكرى ميلاد الابنيْن، فاستنكرت الزوجة الأمّ ذلك ووصفته بأنّه ليس عدلاً، فردّ الزوج بأنّه يحتفل بالابنة فقط لأنّها ستفتح له الباب في أسبوع زواجها الأول حتّى لو اتّفقت مع زوجها على عدم فتح الباب لأيّ شخص كما فعلت أمّها، ولا يضمن أن يفتح ابناه الباب له كما فعل هو مع أبيه!.

والعبرة من القصّة هي تأكيد مقولة أنّ البنت حبيبة أبيها، فهو الرجل الأول الذي تقع عيناها عليه في حياتها، ويدلّلها كثيراً في طفولتها، وينحاز لها انحيازاً صارخاً في كبرها ضدّ الجميع، ويعاملها بنعومة وحنان، ويشعرها بالأمان والحماية، ربّما أكثر من أبنائه الأولاد الذين يُربّيهم بخشونة لتمكينهم من مواجهة مشكلات الحياة برجولة، ولا أجد أنموذجاً ناصعاً لعلاقة الحبّ المُميّزة بين البنت وأبيها أفضل من العلاقة بين سيّدنا وحبيبنا ونبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم وبين ابنته فاطمة رضي الله عنها، التي كانت تُعرف بأنّها أمّ أبيها، وكانت إذا دخلت عليه سُرّ بها كثيراً وقام وقبّلها وأجلسها في مكانه، وحين أراد زوجها عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه الزواج عليها من ابنة أبي جهل المُسلِمة غضِبَ ونهاه عن ذلك، وقال: «وإنّي لسْتُ أحرّم حلالاً ولا أحِلُّ حراماً، ولكن والله لا تجتمع بنتُ رسول الله وبنتُ عدوّ الله أبداً»، وقال أيضاً: «فإنّما ابنتي بُضعةً منّي، يريبني ما رابها، ويؤذيني ما آذاها»، وبشّرها حين أتاه ملك الموت بأنّها أسرع أهل بيته لحاقاً به، وندبته هي بعد وفاته بشعرٍ حزينٍ يُفطّر الفؤاد:

أبا وا أبتاه..

أجاب ربّاً دعاه..

من ربِّه ما أدناه..

إلى جبريل نعاه..

ولو تفكّرت كلّ بنت في عصرنا هذا بقيمة أبيها لأيقنت أنّه خير عضدٍ لها، في كلّ مراحل حياتها الزمنية والاجتماعية، دون المساس بقيمة الأمّ، وأنّه مثل ابنها وهي مثل أمّه، وأنّها إذا نامت غافلةً عن همومها يأرق هو حاملاً همومها ساعياً لإزالتها، وأنّ هذا هو ديدنه حتّى مماته، لو تفكّرت بذلك لبرّته بما يستحقّ من برّ، ولردّدت تلك العبارة الشهيرة: ربّي ثمّ أبي، وأنعِم به من ربّ، ثمّ أنعِم به من أب!.