تمثل العلاقة بين الإنسان والتطور التكنولوجي مركزَ اهتمام عالمي، ومجالاً من مجالات التنافس بين الدول، لأن ما ستنتهي طبيعة هذه العلاقة -على ما يبدو- ستحدد مكانة المجتمعات في المستقبل القريب.. من هنا تركز كثير من الدول على دعم مؤسسات وكليات (مستقبل الإنسان) التي تهتم بدراسة كل جوانب هذه العلاقة التطبيقية والنظرية.. ويوفر كتاب (The Techno-Human Condition) لبرادن اللنبي ودانيال سارويتز (صدر عام 2011)، تلخيصاً جيداً لأبرز الأفكار التي وصل إليها خطاب «ما بعد الإنسانوية التقنية Techno Posthumanism».

يطلق المتخصصون الآن على هذا الاتجاه مصطلح (ما فوق- الإنسانوية/ Transhumanism)، ويهتم بمطاردة آخر التطورات التكنولوجية، وأثرها على الحياة ووعودها المستقبلية، كما يهتم الخطاب بالمخاوف من عواقب هذه التحولات التي تُظهر تمكّن الآلة وسيطرتها على البشر بشكل متسارع.

في العام 2013، تُرجم الكتاب إلى العربية تحت عنوان (حالة الآلة - الإنسان)، ويؤكد د. حسن الشريف -مترجم الكتاب- أن العرق البشري يمر بـ»مرحلة حرجة ستؤدي إلى تغيرات هائلة في الرقيب العاجل، ما سوف يؤثر ليس فقط في الحارة الإنسانية وما فيها من أوضاع اقتصادية واجتماعية ولكن أيضاً في الثقافة المجتمعية للعرق البشري، وكذلك على كوكب الأرض نفسه».

أحد مميزات الكتاب أن مؤلفيْه اعتمدا على لغة سهلة وحوارية في طرح الأفكار.. أي أنهما لا يتحدثان عن الفكرة فقط، بل يتناولان الملاحظات (والاعتراضات الأخلاقية) المطروحة على الفكرة، ثم يناقشانها من وجهتيْ نظر (موافقة ومعارضة).

أحد المنطلقات المهمة للكتاب هي أن استخدام التكنولوجيا لم يعد يعزز قدراتنا خارجياً وحسب (مثل الهواتف والنظارات الإلكترونية...الخ)، بل إننا -مع تطور التكنولوجيا الحيوية، والهندسة الوراثية، والجينية فائقة القدرة- «قد بدأنا مرحلة أعمال جديدة لتحويل أنفسنا من الداخل، ممارسين سيطرة واعية وواضحة على ذواتنا القائمة، وعلى ذواتنا المتطورة».. مع هذا التطور تبرز أسئلة خطيرة لا يبدو أن الخطاب التكنولوجي يوفر إجابات حاسمة عليها، منها على سبيل المثال: كيف يمكن أن نتعامل مع هذه المرحلة بمهارة وبأخلاقٍ وبمسؤولية؟ وماذا نحضّر لهذا العالم الجديد الذي يبشّر به الخطاب ما فوق - الإنسانوي؟ وكيف نحضّر؟ فهو خطاب يتحدث عن إنسان معزز متحول (مزيج من آلة وإنسان)، وعليه يبرز السؤال الأصعب: كيف نحضّر الآن لمستقبلٍ حيث قد تكون الدروس الحاسمة والقيم المستفادة من الماضي غير كافية لتصرف عقلاني وأخلاقي ومسؤول فيه؟ بعبارة أخرى: إذا كان إنسان المرحلة القادمة متطوراً إلى الحد الذي يجعله يواجه الأمراض والشيخوخة والموت، كيف يمكن أن نتنبأ بمنظومة قيمه الأخلاقية من الآن؟ يبدو الأمر مستحيلاً.. ورغم ذلك يذكر الكتاب أن هذه الأسئلة الصعبة لا تقف عائقاً أمام مبادرات (العلوم الاجتماعية والقانونية) لسد شيء من الهوة: يقول المؤلفان «لدينا صديق يدرّس في كلية الحقوق حول أسئلة تتعلق بالقانون والثقافة والتكنولوجيات البازغة».

يورد الكتاب تعريف الجمعية العالمية لـ»ما فوق الإنسانوية»، بأنها «الحركة الفكرية والثقافية المجتمعية التي تؤكد إمكان التعزيز الجذري للحالة الإنسانية، والرغبة في مثل هذا التعزيز، من خلال العقل التطبيقي (Applied Reason) وخصوصاً مع تطوير التكنولوجيا وجعلها متيسرة بشكل أوسع لإلغاء سيرورة الشيخوخة، ولتعزيز قدرات الإنسان الفكرية والجسدية والنفسية».. كما تهتم هذه الحركة «بدراسة التفرعات والوعود والمخاطر المحتملة للتكنولوجيات التي تمكننا من التغلب على القيود الجوهرية التي تحد من قدرة الإنسان، والدراسة المرتبطة بالقضايا الأخلاقية المتعلقة بتطوير واستخدام هذه التكنولوجيات».. هذه الجمعية (غيرت اسمها لاحقاً إلى (الإنسانية+).

يمثل كتاب (حالة الآلة- الإنسان) مرجعاً مهماً يربط بين تاريخ التطور التكنولوجي وحاضره، وبين علاقة الإنسان المعقدة مع هذا التطور، كما يوفر مناقشة ثرية للتحديات والمخاطر والأبعاد الجدلية التي يضمها خطاب ما فوق - الإنسانية.