أسأل الله عزَّ وجلَّ أن يغفر للدكتور محمّد مشالي ويرحمه، ذلك الطبيب المصري المُسِنّ الذي تُوفّي مُؤخّراً بعد أن أفنى حياته في الكشف على المرضى الفقراء بتكلفة زهيدة، هي ٥ جنيهات مصرية «١ ريال سعودي و١٥ هللة»، ثمّ زادها مُضطرّاً مع موجات الغلاء المتتابعة إلى ١٠ جنيهات «ريالان و٣٠ هلله»!.

وليس هذا فقط، بل كان يكشف على من لا يستطيع من المرضى الفقراء دفْع هذه التكلفة ويزيدهم بأن يصرف لهم أدويتهم اللازمة بالمجّان!.

لهذا، أطلق عليه المصريون لقب «طبيب الغلابة»، وهو لقب يستحقّه، وأحسب أنّ أجره عظيم عند ربّ الغلابة، وأستغرب عدم ترشيحه أو نيْله لجوائز عالمية كجائزة نوبل للطبّ وخدمة الإنسانية على سبيل المثال.

وإن كان مشالي هو طبيب الغلابة فمن هو نقيضه الذي يعاكسه بزاوية قدرها ١٨٠ درجة؟ إنّه الطبيب التاجر أو التاجر الطبيب -إلّا من رحم ربّي- الذي يكشف على المريض الواحد بمبلغ فلكي قد يصل لأكثر من ٥٠٠ ريال نقداً، وفي الغالب لا يتعامل مع شركات التأمين التي ترفض دفع مثل هذا المبلغ الكبير للكشفية، فضلاً عن تنويم مرضاه في المستشفى الخاص الذي يملكه لبضع ليال بآلافٍ كثيرةٍ من الريالات، ومثلها للتحاليل والأشعّة اللازمة وغير اللازمة، وأضعاف أضعافها للعمليات الجراحية المحتملة، ولا يكترث بالمريض سواءً كان فقيراً أو ثرياً، والمهمّ أن يقبض حسابه الفاحش نقداً قبل هناء العافية بسنة، وإذا تُوفّي مريضه في مستشفاه قد يماطل في تسليم جثمانه لذويه حتّى يستوفي كامل حسابه، وإذا دَخَلْتَ إلى قسم حسابات مستشفاه حَسِبْتَهُ بنكاً مِنْ كثرة موظّفيه، وتجهّم وجوههم، وصرامة تعاملهم، وضخامة الأرباح التي تجري بين أيديهم، وقد يطرح أسهم مستشفاه للتداول في البورصة المالية ويُصبح من كبار المتداولين والمضاربين، ومع هذا يشوب علاجه الكثير من الأخطاء الطبّية ومضاعفاتها الخطيرة!.

إنّه طبيب الخيابة، والفرق بينه وبين طبيب الغلابة مثل الفرق بين الجماد والإنسان، والتربّح من الطبّ مشروع لكن ليس بِفُحْشٍ هكذا، ويا أمان المرضى.