عقب تفشي فيروس كورونا (كوفيد - 19) الذي أصاب ما يقرب من 20 مليون شخص حول العالم وأودى بحياة ما يزيد على 720 ألف شخص حتى الآن، ورغم أن غالبية الضحايا من دول العالم المتقدم التي تنتمي لها معظم شركات الأدوية الكبرى، إلا أن مساعي التوصل إلى لقاح وعلاج ناجع للفيروس لازالت متعثرة حتى الآن، مع تضارب في تصريحات رؤساء الدول ووزراء الصحة ومسؤولي منظمة الصحة العالمية، فما أن نطالع تصريحًا يبث الأمل في النفوس عن قرب التوصل إلى العلاج حتى نفاجأ بتصريح مضاد يبدد فسحة الأمل وينشر التشاؤم في النفوس بأن التجارب المختلفة لم تثبت نجاحًا مؤكدًا.

الغريب هو أن تلك المساعي تتعثر، مع أن أعرق جامعات العالم دخلت على تجارب لإنتاج ذلك اللقاح، بعد أن أعلنت الولايات المتحدة وبريطانيا وغيرهما من الدول توفير التمويل اللازم والذي بلغ مليارات الدولارات، وتم توقيع اتفاقيات بمبالغ طائلة لإنتاج ملايين الجرعات.. كذلك أعلنت شركات كبرى انخراطها في ذلك السباق، ومع ذلك لازالت تلك المحاولات تصطدم بصخرة الفشل والإخفاق، رغم مرور ما يزيد على نصف العام منذ ظهور الفيروس.

لم يقتصر التضارب على إعلان نتائج التجارب على اللقاحات الجديدة، بل امتد الأمر ليشمل تأثير أدوية متداولة منذ سنين طويلة لعلاج أمراض أخرى مثل هيدروكسي كلوروكين الذي يستخدم لعلاج مرض الملاريا فبينما أكد الرئيس الأمريكي نجاعته وتأثيره الإيجابي بعد أن استخدمه شخصيًا وسار على دربه نظيره البرازيلي، تصدت منظمة الصحة العالمية وأعلنت عدم ثبوت تأثير العقار في مقاومة المرض وأنه لا يوجد دليل يؤكد فاعليته.

تفاوتت الآراء حول مغزى ذلك التضارب، فالبعض يشير إلى أن مرد ذلك إلى أن الاشتراطات التي تضعها المؤسسات الدولية المعنية بإجازة استخدام الأدوية والعقاقير الطبية، وفي مقدمتها اشتراطات السلامة العامة، وضمان عدم حدوث آثار جانبية هي السبب الرئيسي في ذلك التأخير.. مستدلين بأن كثيرًا من الشركات الأميركية عانت في ظروف سابقة مشابهة من رفع دعاوى قضائية عليها تطالبها بتعويضات هائلة بعد تسبب اللقاحات التي أنتجتها في آثار جانبية سيئة.

في المقابل يؤكد آخرون أن شركات الأدوية العالمية لا تتحمس في العادة لإنتاج دواء لمثل هذا الفيروس، لأنه مرحلي وغير مستديم، وقد يؤدي إيجاد اللقاح إلى اختفاء المرض إلى الأبد.. بدلا عن ذلك فإن تلك الشركات تفضل إنتاج أدوية لأمراض مستوطنة ومستديمة تدر عليها دخلا أعلى، وتضمن في ذات الوقت استخدام الدواء لفترات طويلة.

ورغم أن كلا من أصحاب الرأيين السابقين يمتلك من الحجج والأسانيد ما يعضد وجهة نظره، إلا أن هناك أسئلة كثيرة تفرض نفسها بإلحاح؛ هل بات الإنسان مجرد سلعة تدر دخلا على أصحاب شركات الأدوية؟ وهل تلاشت قيم الإنسانية التي يرفعها العالم المتقدم؟ وأين دور منظمة الصحة العالمية والأمم المتحدة وهيئاتها الدولية التي تؤكد باستمرار أن الحق في الحصول على العلاج هو أحد الحقوق الأساسية للإنسان؟

ما يعضد الرأي القائل بأن شركات الأدوية العالمية غير متحمسة لإنتاج اللقاح هو أنه مع ظهور عدد من الأوبئة خلال العقدين الماضيين مثل «سارس» و»ميرس» و»إيبولا» و»زيكا» لم يتم تصنيع سوى اللقاح الخاص بفيروس «إيبولا»، والذي لم يحدث إلا بعد ممارسة ضغوط سياسية دولية مشددة بعد أن أودى الفيروس بحياة مئات الآلاف في زمن وجيز ووصل تهديده إلى الولايات المتحدة.. كذلك نشرت منظمة (أطباء بلا حدود) رسالة خلال مارس الماضي وعبّرت فيها عن القلق وخيبة الأمل من «السياسة الجديدة المبهمة والضعيفة وغير الفعالة» لمؤسسة «تحالف ابتكارات التأهب للأوبئة»، واتهمتها بالتنصّل من مسؤولياتها العامة.

ولأننا في ما يسمى بـ «العالم الثالث» مجرد مستهلكين وننتظر ما تنتجه الدول الأوروبية والأميركية من منتجات مختلفة في مقدمتها الأدوية الطبية، فإن قدرنا أن ننتظر تلك الدول حتى نحصل منها على ما نحفظ به أرواحنا، ويبدو أن الفيروس الذي عطَّل كل أوجه الحياة يحمل لنا في طياته رسالة بضرورة تشجيع مؤسسات البحث العلمي في بلادنا، على الأقل لإنتاج ما نصون به حياتنا، ونحمي به أبناءنا ومستقبلنا، بدلا من الاعتماد على الغير، عملا بالمثل العربي الشهير «ما حكّ جلدك مثل ظفرك».

رغم كل تلك العتمة والغموض التي تحيط بمستقبل اللقاح المنتظر، إلا أننا نتمسك بقول الشاعر «ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل»، ولعل ما يبعث على ذلك الأمل هو أن الدول المعنية بالأمر أكثر تضررًا من غيرها بالفيروس الذي أرغمها على إغلاق اقتصاداتها، مع ما استتبع ذلك من أضرار مدمرة، كما أن معدل الإصابات في الدول العربية والإسلامية وفي آسيا وإفريقيا أقل مما هو في دول الغرب، وهو ما قد يدفع إلى تسريع إنتاج الدواء.