يقول الفلاسفة: «من جعل الناس سواء، ليس لحمقه دواء»، وهذا الكلام منطقي مئة في المئة، والغريب أن البشر حين يتحدثون عن الإنسان يتناولونه وكأنه نسخة واحدة متعددة الطبعات، وما دروا أن كل إنسان يحمل خصائصه وقدراته الذهنية وطاقته التحمُّلية، لذلك هناك من تؤذيه الكلمة وتجرحه وتحبطه، وهذا كثير في العنصر النسائي، في الجانب الآخر هناك بشر لا تؤثر فيهم الكلمة، فإذا جاءهم الإحباط أو النشاط نظروا إليه بعين واحدة، وأعتقد أن أحمد العرفج من الشريحة الثانية، تلك الشريحة المتبلدة التي استوى في عينها المدح والقدح .

قبل أيام كنتُ أعيد قراءة سيرة أستاذنا الكبير نجيب المانع التي تحمل عنوان «ذكريات عمر أكلته الحروف»، لقد قرأت هذه السيرة قبل عشرين سنة، والآن أعدت قراءتها من أجل قياس التحولات التي مررت بها والنضج الفكري الذي توصلت إليه، حيث صرت في القراءة الثانية أستبعد بعض ما أعجبت به في القراءة الأولى، بل أنني أنظر بعين النقد إلى ما كنت أستحسنه في القراءة الأولى قبل 20 سنة.

ما علينا يا حبيبي ما علينا... ما أريد أن أصل إليه هو أنني اكتشفت أن أستاذنا «نجيب المانع» من الصنف الأول، ذلك الصنف الذي يتأثر بالكلمات وتجرحه المفردة القاسية، لقد ذكر ذلك في صفحة (208) حين قال:

يقول بعض الفلاسفة إن الإنسان هو ما يفعل، وقد أحببت أن أفعل شيئاً مجدياً، غير أن لي نفساً من اليسير إحباطها وكسرها، ولحسن حظي أن ليس لي أعداء كثيرون فيعرفوا سر تحطيمها.

إنها نفس تكفي كلمة واحدة لقتلها، على أن كلمة واحدة تكفي لإعادة العافية لها، فأنا لا أمتلك نفس المتنبي الذي يقول:

وفي الجسم نفس لا تشيب بشيبه

ولو أن ما في الوجه منه حراب

حسناً؛ ماذا بقي؟، بقي القول:

إنني أشفق كثيراً على أولئك القوم الحساسين والفتيات الحساسات لأنهم سيدفعون الثمن غالياً في هذه الحياة، والسبب ببساطة أن الناس الذين حولهم يرمون الكلام من غير وزن أو تفكير، ولقد ذكر ذلك شاعرنا الكبير صلاح عبد الصبور حيث قال:

الناس في بلادي جارحون كالصقور

غناؤهم كرجفة الشتاء فى ذؤابة الشجر.