حينما وافق (حسان دياب) على أن يترشح لرئاسة وزراء لبنان كان على دراية تامة بالوضع المتردي سياسيًا واقتصاديًا الذي يعاني منه لبنان، ومدرك لحجم التحديات التي ستواجهه، فجاء للسلطة بدعم قوي من قبل التيار الوطني الحر وحزب الله وحركة أمل، لكن وجد أن عليه ديونًا من قبل الجهات التي رشحته، ولا بد له من أن يستجيب لخططها ويقنع بالكرسي الذي هو عليه، واكتشف بأن لبنان في ظل رئيسه ووجود حزب الله أصبح محاصرًا، ولذلك لم يحظ بدعم دولي وعربي، فانهارت في عهده الليرة اللبنانية إلى أدنى مستوى لها، وضج الشارع اللبناني من سوء إدارته التي اختفى فيها رغيف الخبز، حتى جاء الانفجار الكبير الذي قضى على كل آمال اللبنانيين، ورفع مستوى التوتر الجماهيري وجعلهم يعلقون المشانق في الساحات العامة تعبيرًا عن أن الموت هو الأمل الوحيد للخلاص من الحكومة التي جوعتهم وقضت على أحلامهم، واستجاب (دياب) للمطالبة الشعبية، وأعلن استقالته بعد خطاب ذكر فيه بأن الكارثة التي ضربت اللبنانيين حدثت نتيجة الفساد المزمن في الدولة والإدارة، متهمًا الطبقة السياسية بالمتاجرة بدماء المواطنين، فيما اعترف أحد وزرائه لإحدى الوكالات الأجنبية بأن الحكومة كانت حكومة انتظار كما أرادتها إيران وحزب الله لإمرار الوقت حتى تتبلور معطيات جديدة للنزاع وتظهر نتائج المعركة الرئاسية في واشنطن، وأن القوى السياسية المسيطرة على الحكومة تدير ظهرها لآراء وزراءها وتجبرهم على خيارات لا يقتنعون بها، وتعاكس أي توجه إصلاحي.

والقاريء للتاريخ اللبناني يكتشف بأن منذ غادرها الجنرال الفرنسي (هنري غورو) عقب الانتداب الفرنسي عام 1920 ولبنان عاجز عن بناء دولة مستقلة في قراراتها وقادرة على حمايته وفرض سيادته، لبنان لازال تحكمه طبقة سياسية من عائلات تتوارث الحكم لتبقى على الكراسي، ويدير سياستها الآخرون، وفي العقود الخمسة الماضية كانت رهينة لسوريا ومن ثم إيران، وهما اللذان كانا يختاران رئيس الدولة ورئيس الحكومة، وفي السنوات الأربع الماضية أصبح القرار لدى (نصر الله) الذي عين (عون) ومن ثم (دياب) اللذين أصبحا شبه بيادق على رقعة شطرنج يحركهما (حزب الله) كما يشاء.

الانفجار الكبير الذي حصل في بيروت والذي قتل أكثر من 170 شخصًا، وهدم عشرات المباني لقي انقسامًا سياسيًا في لبنان، فهناك من يطالب بتحقيق دولي في الكارثة التي وقعت، انطلاقًا من أنه لا يمكن لأطراف محلية أن تدين نفسها، فضلا عن حالة الفساد وسياسة الأمر الواقع، بينما يعارض هذا الرئيس (عون) و(حزب الله) وهذه المعارضة تجد حولها أكثر من سؤال، لماذا يرفضان التحقيق الدولي؟!.

ولم تعد السلطة الحالية مكان ثقة أمام العالم بأكمله، فالمانحين الذين تعهدوا بنحو (298) مليون دولار كمساعدات فورية للبنان عقب الانفجار، طالبوا بأن يتم توزيعها تحت إشراف دولي، وتنسيق ميداني ورقابة مشددة من قبل الأمم المتحدة والبنك الدولي حتى لا تذهب المساعدات إلى أيدي الفاسدين، أما فيما يخص خطة التعافي الاقتصادي والمالي اللبناني فإن المانحين أكدوا على ضرورة القيام بالإجراءات والإصلاحات سريعًا.

لبنان بحاجة إلى إنقاذ، والإنقاذ كما قال الرئيس الفرنسي (ماكرون) يبدأ بتشكيل حكومة وحدة وطنية، شريطة الاتفاق المسبق على الإصلاحات والمباشرة في تنفيذها، وهذه لن تتم بوجود (حزب الله) الذي يملك القرار.