قصتنا تبدأ بالجذب الشديد الذي يفوق أساطير قيس وليلى، وعنترة وعبلة، وأنطونيو وكليوبترا، وروميو وجوليت...ولكن موضوعنا لا علاقة له بالبشر فهو من عالم الكيمياء ويعنى باتحاد عنصري الفلور والكربون. قوى الجذب بينهما تفوق الوصف لدرجة أن درجة «العشق» بينهما يضرب بها المثل في عالم الكيمياء. عنصر الكربون يعشق الوناسة والشِّلل بكسر الشين، والاتحاد مع الذرات سواء كانت من نفس جماعته أو من عناصر أخرى، وأما الفلور فهو يتميز بالعنف واللجوء إلى السرقة للاتحاد العنيف، إلى أن يهدأ ويستقر. وبعد اتحاد العنصرين نجد الاستقرار والهدوء. وقصتنا تبدأ في عام 1938 عندما كانت الغازات المستخدمة للتبريد في الثلاجات خطرة جداً، وبعضها كانت تسبب الوفيات بداخل المنازل، ولذا، فكانت هناك محاولات من العديد من العلماء لتهذيب مواد التبريد للاستخدامات المنزلية. وكانت النتيجة المبدئية هي الفشل الذريع، فبدلاً من إنتاج غازات للتبريد، نتجت مادة صلبة خاملة هي عبارة عن سلسلة مكررة من الكربون والفلور، وكانت ميزتها الأساسية هي أنها كانت ملساء لدرجة غير مسبوقة في عالم الكيمياء...قمة «الزفلطة». وفي الواقع فكانت المادة الوحيدة التي لا تستطيع المخلوقات الشهيرة بالشعبطة أن «تعشّق» أياديها أو أرجلها على سطحها. وعلى قمة تلك المخلوقات نجد العناكب والوزغ أعزكم الله. ولم يجد لها العلماء آنذاك فائدة فتم ركنها لسنوات طويلة. ولكن عندما بدأت الولايات المتحدة في تصنيع القنبلة الذرية الأولى في عام 1939، كانت هناك حاجة ماسة لتخصيب مادة اليورانيوم المشعة، واستخدمت منظومة تخصيب تحتوى على أنابيب يبلغ طولها تقريباً المسافة من المدينة المنورة الى القدس الشريف. وكانت تعاني الأنابيب من التهريب المستمر الخطير بسبب التآكل. وهنا تم إعادة تقديم خلطة الكربون والفلور المركونة وأطلق عليها اسم «تيفلون». واتضح أن تلك المادة هي الأكثر مقاومة للاحتكاك في العالم مما جعلها مناسبة لحماية المعادن وأجزاء المحركات. وكانت أيضاً مقاومة للماء والغبار والأوساخ مما جعلها مناسبة جداً لحماية الأقمشة المختلفة. ولكن أحد أشهر تطبيقاتها كانت في المطابخ، وتحديداً في تغليف أسطح أدوات الطبخ المستخدمة للقلي الشهيرة باسم «تيفال». وتميزت حماية مادة التيفلون بالسعر المعقول، والحماية القصوى ولكن في الآونة الأخيرة تم إثارة بعض المخاوف البيئية بسبب انبعاث غازات منها عند تسخينها إلى درجات حرارة مرتفعة جداً.

أمنيـــــة

يشكل الاحتكاك إحدى المعضلات الأساسية التي تكلف العالم بلايين الريالات سنوياً... من اهتراء المعادن بداخل المحركات، إلى مشاكل المفاصل الصناعية المزروعة جراحياً، وتعلق المياه والغبار على الأسطح بأشكالها وأنواعها المختلفة، ولذا فتتصدر مقاومة الاحتكاك إحدى الأولويات الأساسية في العديد من المجالات. ويتربع التوافق بين الكربون والفلور مكانة خاصة في المواد المزفلطة. أتمنى أن نفلح في إيجاد المزيد من الحلول الصديقة للبيئة في هذا المجال، وأن يقينا الله شرورها وخصوصاً أن فنون الزحلقة أصبحت متقنة بطرق مخيفة اليوم، والله يحمينا جميعاً.

وهو من وراء القصد.