يرمز العنوان إلى الإساءات اللفظية اللاذعة غير المقننة. وللأسف أنها في حالة انتشار حول العالم بسبب انخفاض المستوى الأخلاقي. ومن الحالات غير المتوقعة تلك التي نجدها في عالم العلوم والفلسفة، وتلك التي يمارسها العلماء والشخصيات المرموقة. واخترت لكم الأمثلة التاريخية التالية: في القرن السابع عشر الميلادي، قدمت مجموعة من «قبضايات» الرياضيات في أوربا وعلى رأسهم الإيطالي «جاليليو» بعضاً من أجمل الأفكار المتعلقة باستخدام متناهيات الصغر. والمقصود هنا هو استخدام الأعداد الصغيرة جداً جداً.. وفي الواقع فهذا الوصف لا يعطيها حقها فهي «فتافيت الفتافيت» للأعداد الصغيرة جداً للوصول إلى حلول بعض من أكبر المعضلات الرياضية. وفي الواقع فلا يمكن قياس أبعاد تلك الأرقام، ولكنها تستخدم للوصول إلى نتائج مفيدة جداً في حسابات عالم الفيزياء، والكيمياء، والمال، ومئات التطبيقات الأخرى. ولكن الموضوع تسبب في مشكلة فكرية كبرى للكنيسة الكاثوليكية التي رأت أن متناهيات الصغر لا تتفق مع الفكر الفلسفي المرتب للكون. وتحديداً، فكون تلك «الفتافيت» لا تخضع لمفهوم القياس كما نعرفه جعلها تتعارض مع أفكار هندسة الكون السائدة آنذاك. وكانت مجموعة يسوع الشهيرة «بالجيزويت» إحدى أهم المدارس الفكرية التابعة للكنيسة الكاثوليكية قد أعلنت أن متناهيات الصغر تتعارض مع الفكر العقائدي وأن من يؤمن بها فهو على حافة الكفر «حته واحدة». وكانت تلك المجموعة قوية جداً في إيطاليا بشكل خاص، وخصوصاً في تلك الحقبة الزمنية لأنها وجدت الدعم المباشر من الكنيسة، ولأنها حققت النصر الكبير في إعادة تعريف حساب التقويم الميلادي لتنتج التاريخ «الجريجوري» الذي يستخدم إلى يومنا. الشاهد أن الهجوم اللاذع على مفهوم متناهيات الصغر، وكل من يجرؤ على استخدامها، أصبح «شرشحة» فريدة في تاريخ العلوم.. استخدمت الألفاظ الشديدة ضد العديد من العلماء المرموقين، بل واستخدمت عقوبات التعامل مع الهرطقة في العديد من الأحيان. وكانت النتيجة هي إخماد إحدى أهم الأفكار في تاريخ الرياضيات في أوربا.

وهناك المزيد.. ففي الثلث الثاني في القرن السابع عشر، وأثناء جائحة الطاعون الأسود في إنجلترا، قام العالم الإنجليزي الفذ إسحق نيوتن بتقديم عبقرية التفاضل والتكامل، ففتح الأبواب الجديدة في الرياضيات، وارتكزت المنظومة الأساسية في ذلك المجال على متناهيات الصغر التي حرَّمتها العديد من السلطات الأوربية. وفي نفس الوقت قام الألماني «فيلهلم لي بنتز» بوضع نفس الفكرة. وهنا بدأت معركة رهيبة بينهما. كان محورها الأساس هو من سبق الثاني في وضع الأسس. وتطورت إلى «شرشحة» شرسة جداً لأن الاتهامات أصبحت تدعي أن هناك سرقة أفكار، وتطورت المعارك لتشمل علماء إنجلترا وألمانيا.

أمنيــــــــــة

استمرت صراعات متناهيات الصغر لفترة دامت لأكثر من مائة عام وساهمت في قمع تطور الرياضيات بشكل خاص، والعلوم بشكل عام في أوربا. أتمنى أن ندرك أن أضرار الإساءات اللفظية لا تقتصر على المستوى الفردي فحسب، فهناك ما هو أكثر بكثير، والله يعلم بخسائرها، وهو من وراء القصد.