طوال وجودي في القاهرة، تعاملت مع خبر محاولة سحب اختصاص الفتوى من الأزهر الشريف، باعتباره من قبيل الإشاعات، أو الإلهاء، أو نحو ذلك مما تشهده الساحة الإعلامية الآن!

وكان ما كان ورأيت زميلين عزيزين هما الأستاذ أنور الهواري، والدكتور عمرو الشوبكي، يتبادلان التهنئة بشأن عدم رضوخ الإمام الأكبر الشيخ أحمد الطيب وتصديه لهذه المحاولة!

ولم يفت الشوبكي أن يزف التهنئة للشعب المصري قائلا: مبروك لكل مصري يحرص على استقلالية الأزهر وإصلاحه وتجديد خطابة لصالح الدين والدنيا لا السياسة، وتحية احترام لشيخه أحمد الطيب.

قلت أما والحال كذلك، فإنني أحمد الله أن كتبت وحذرت هنا في هذا المكان من محاولة السعي الحثيث، لتشويه الشيخ الصامد كالعملاق، بدعوى الاستحقاق!

والحاصل أن علاقتي بالأمام الأكبر "المنصب" بدأت مبكرًا حيث انفردت في بداية مشواري الصحفي بحوار مع شيخ الأزهر الجديد جاد الحق علي جاد الحق في اليوم الأول لتوليه منصبه.

ثم كان ما كان وجاء الشيخ الطيب، خلفًا للشيخ محمد سيد طنطاوي، وكنت حينها مديرًا لتحرير جريدة "الوطن" السعودية، عندما دعاني الأستاذ داود الشريان، لمواجهة الإمام الطيب، بالاشتراك مع الزميل الأستاذ جاسر الجاسر، والزميلة بدرية البشر.. من يومها ومن دماثة خلقه، ورحابة صدره، وتواضعه معنا، وصبره علينا، وأنا صرت من العشاق!

ففي هوجة النفاق، حيث بات مصطلح العلماء يطلق على أشخاص بغير علم، ومصطلح المفكرين يطلق على أشخاص بغير فكر، ورواقيين بغير رواق، بدأت الحملة الشرسة التي تستهدف تغيير المفاهيم، وخلط الأوراق.

عدت لكشف حسابي في التصدي لمحاولات الإساءة للأزهر، ولمقام الإمام الأكبر، بعد أن أبرقت محييًا أخي أنور، فوجدت أنني كتبت محذرًا: تتعاقب الاختبارات والمحن سنة وراء سنة ويثبت الأزهر الشريف أنه كان وسيظل حارسًا لمصر في كل الأزمنة.. تتعدد المحن وتتنوع الفتن ويأبى الأزهر إلا أن يثبت للعالم أنه درع من دروع الإسلام وليس مجرد شيخ ومئذنة.

وحين اشتدت الحملة على اللغة العربية كتبت محييًا الشيخ الطيب، الذي انتفض قائلاً إن (الأزهر حارس على اللغة العربية وقد شرفه الله بحمايتها في وجه موجات الاستعمار والتغريب).

فلما بلغ الفجر (بضم الفاء) حد الهجوم على السنة المطهرة، وحيث ارتفعت الأصوات المنادية بالتخلي عن الحديث الشريف والاكتفاء بنصوص القرآن الكريم، وقف الشيخ الطيب مؤكدًا بل مزمجرًا ومرددًا أن (سلخ القرآن الكريم عن السنة النبوية يضيع أكثر من نصف القرآن).

وتحت عنوان "عندما يكون شيخ الأزهر غير ذي صفة" كتبت هنا أتساءل: هل يُعقل في مصر الأزهر أن يكون شيخ الأزهر "غير ذي صفة"، وهو يُدافع عن الصحابة والتابعين ضد المتنطّعين الجُدد والمُفتِّشين الجُدد للتراث العظيم؟!

والذي حدث أن شيخ الأزهر أمام هذا الطفح المتواصل في الصحف والقنوات الفضائية، بدعوى تنقية التراث، أقام دعوى عاجلة لوقف برنامج "علَّامة العصر الجديد" إسلام بحيري، ومنعه من الظهور الإعلامي، وهو العمل الذي قوبل بترحابٍ شديد، وراحة أشد من كل الغيورين ليس على الإسلام فقط، وإنما على سمعة ومكانة مصر العروبة والإسلام.

وعندها خرجت هيئة قضايا الدولة -باعتبارها وكيلة عن رئيس مجلس الوزراء الذي اختصمه شيخ الأزهر- لتُعلن في مذكرة رسمية تلتها المستشارة "معالي محيي مهدي" أن اختصام شيخ الأزهر إنما جاء على غير ذي صفة وغير قائم على سند صحيح من القانون!

وقلت محييًا الشيخ، ومحذرًا من خطورة تنحية الأزهر: لا تقلق! سبحان من رفع وسيرفع هامتك.. الدنيا كلها تعرفك.. تتحدث عنك.. عن فقهك الوسطي وعن تسامحك.. عن حكمتك وعلمك.. التاريخ يشهد لك.. بأن مستعمرًا واحدًا لم يكسرك.. فلا تنحنِ ولا تطأطئ رأسك، وقل قولتك.

وتحت عنوان: أيها الخائضون في "الأحوال الشخصية" لا تغضبوا الأزهر! كتبت أقول: في زحمة التراشق والاستقطاب المقيت، لم أصدق أن أحدًا في مصر يريد أن ينحي الأزهر عن قانون الأحوال الشخصية! والحق أنني تعاملت مع كل التسريبات والشائعات والتغريدات على هذا النحو من عدم التصديق حتى سمعت زمجرة الإمام الأكبر "الأزهر ليس جهة تشريع، ولا دخل له بالتشريعات، لكن حين يتعلق الأمر بقوانين مصدرها الشريعة الإسلامية فلا يترك الأمر لغير العلماء".

وتحت عنوان الشيخ الطيب.. لغة الكرامة لا تشيخ، وحين كان الحديث مشتعلا حول فلسطين والقدس، قال الإمام الأكبر من قلب القاهرة: الذي اعتقده اعتقادًا جازمًا، هو أنَّ كل احتلال إلى زوال إنْ عاجلًا أو آجلًا، وأنه إنْ بدا اليوم وكأنه أمر مستحيل إلَّا أن الأيام دول، وعاقبة الغاصب معروفة، ونهاية الظَّالم وإن طالَ انتظارها، مَعْلُومة ومؤكَّدة.

لقد سجل التاريخ حينها بأحرف من نور ما قاله الشيخ الطيب "أننا لو واجهنا عدونا بما اعتدنا مواجهته به منذ سبعة عقود، فلسوف تلعننا الأجيال القادمة، ولسوف يخجَل أحفادنا من أن نكون آباءهم وأجدادهم.. وإذا كان لي من أمل أنتظر تحقيقه، فهو إعادة الوعي بالقضيَّة الفلسطينيَّة عامَّة وبالقُدس خاصَّة، فالحقيقة المُرَّة هي أن المقرَّرات الدِّراسيَّة في مناهجنا التعليميَّة والتربويَّة في كل مراحل التعليم عاجزةٌ عن تكوين أي قَدْر من الوعي بهذه القضية في أذهان ملايين الملايين من شباب العرب والمسلمين.. وتلك هي حقيقة المشكلة.. مشكلة الامام الأكبر!