معناها الهروب السريع.. وتصحبها عادة مقولة «يا فكيك» العامية للتأكيد على الحالة المستعجلة.. وتحمل في طياتها معنى النجاة، وبالتالي فهي لا تراعي بالضرورة المصالح العامة. وهناك أمثلة جديرة بالذكر على تطبيقاتها، واخترت لكم التالي: كانت مركبة الفضاء الشهيرة باسم المكوك تمثل أحدث مركبة طائرة في تاريخ البشرية. تقنياتها كانت تمثل أفضل ما توصل إليه العلم فيما يتعلق بالدفع، والمناورة، والملاحة، والسرعة، والصعود، والنزول، والحمولة، والسعة، والتحمل. صنعت الولايات المتحدة ست مركبات وهي: إنتربرايز، وكولومبيا، وتشلنجر، وأطلانتيس، وانديفر، وديسكفري. والأخيرة هي التي حملت سمو الأمير سلطان بن سلمان في رحلته التاريخية إلى الفضاء في 17 يوليو 1985. وكانت إحدى المميزات المزعومة للمكوك هي مستوى السلامة في نقل الرواد إلى الفضاء الخارجي ثم إعادتهم للأرض بطرق تكاد أن تكون اعتيادية. وبسبب مستوى الثقة في سلامة المركبة، لم تتوفر فيها آلية للخروج الاضطراري للركاب. ولكن في28 يناير 1986 أصيب العالم بذهول عندما انفجرت المركبة «تشالنجر» عند انطلاقها أمام أعين الجميع وقتل روادها السبعة.. وبعد تلك الكارثة تم إعادة النظر في مستوى الثقة في مستوى السلامة العام في المركبة، وتم تصميم آلية لهروب الرواد في حالات الطوارئ.. ولكنها بصراحة كانت تميل إلى «الأُنس» بضّم الهمزة...في جسم المكوك يوجد باب واحد دائري الشكل قطره يعادل حوالي ثلاثة أمثال خبز التميس الأفغاني، وأصبح ذلك المخرج هو منفذ النجاة لجميع الرواد في حالات الطوارئ على الأرض أو في الجو. والمكوك يحمل عادة سبعة رواد في كل رحلة، وفضلاً تخيل في حالة طوارئ أن يخرج سبعة أشخاص بالغين الواحد تلو الآخر من فتحة واحدة صغيرة.. وهناك المزيد فيخرجون بالتزلق إلى الهواء الطلق كل منه يحمل حوالي ثلاثين كيلوجرام ومظلة. ويتزلقون على عامود ضخم يعادل نصف طول سيارة «كامري».. والهواء الطلق المقصود هنا تصل سرعته إلى حوالي ثلاثمائة كيلومتر وخمسين في الساعة، وأما الارتفاع فيصل الى حوالي ستين ألف قدم. يعني باختصار شديد شيء ما يطمن من جميع جوانبه لأن الخروج صعب، والبيئة خارج المركبة أصعب، ولكنها «فلسعة» خاصة، ولم تستخدم ولا مرة واحدة خلال تاريخ عمليات المكوك التي انتهت في عام 2011. ولذا وصفته بالأُنس.

وموضوعنا لا يقتصر على المركبات الفضائية فحسب لأن فنون الفلسعة تطبق بأشكالها وألوانها على ملايين المواقف التاريخية، وبما أن العالم اليوم يعاني من معمعة جائحة الكورونا، فسأذكر مثال «يا فكيك» من أيام وباء الطاعون الأسود الذي اجتاح أوربا في منتصف القرن الرابع عشر: عندما هيمن المرض القاتل على سكان المدن الكبرى مثل لندن، لجأ عشرات الآلاف من المقتدرين الى الفلسعة الى الضواحي والأرياف. وتركوا وراءهم الغلابى من قليلي الحيلة. وبهذه الحركة، تحولت التركيبة السكانية في أوربا وأصبح للمرض تفرقة بين الأغنياء والفقراء، وبين الأقوياء والضعفاء، والأصحاء والمرضى...وكتبت فصول جديدة في تعريف النذالة.

أمنيــــــة

ظهرت خلال الأشهر الماضية في بعض الدول مؤشرات مقلقة حيال التفرقة في التعامل مع تحديات الكورونا بين الأغنياء والفقراء، وبين الأقوياء والضعفاء، والكبار والصغار. أتمنى أن ينجح العالم في إيجاد العلاج، وأن يتوفر لجميع البشر بدون فلسعة بعض المقتدرين، فقد تكون هذه الجائحة اختباراً للإنسانية بقدر ما هي اختبار للعلم.

والله من وراء القصد.