قراءة الواقع الفلسطيني تفرض التفكير بجدية فيما فعلته الإمارات برعاية أمريكية، وما هي النتائج المتوقعة من جراء الزخم الإعلامي الذي حظيت به المبادرة المفاجئة من دولة الإمارات العربية.. وهل بالإمكان مقارنتها بمبادرة الرئيس أنور السادات التي انتهت باتفاق كامب ديفيد واسترجاع سيناء وطابا بعد مفاوضات مضنية بين المصريين والإسرائيليين. الإمارات تملك قوة ناعمة تلعب بها، بينما مصر كان لديها قوة ضاربة وأرض محتلة وإسرائيل ومن يدعمها يدركون ذلك، كما أن الرهان على تكرار الفشل العربي أبطلته حرب أكتوبر في عام 1973م بما لها وما عليها.. ولو انضم الفلسطينيون والسوريون لمفاوضات كامب ديفيد لكانوا أفضل مما هم عليه حاليًا. والشيء الذي لم يستثمره العرب وعلى وجه الخصوص الفلسطينيين الحالة النفسية التي يعيشها اليهود برغم كل انتصاراتهم، فهم يدركون إنهم يعيشون في بيئة ترفض وجودهم ودول جوار تقاطعهم برًا وبحرًا وجوًا، وعمق إسلامي مرتبط بالقدس المحتلة ولا يمكن التخلي عنها. وسائل العنف التي تستخدمها إسرائيل مكشوفة ومدانة من كل المجتمعات الإنسانية وتعمّق الكُره ونزعة العنصرية ضد السامية التي قامت إسرائيل على أساس التخلص منها ولكنها أبقتها حية!، وهذا ما يجعل الأجيال اليهودية في داخل فلسطين وخارجها يعيشون حالة رعب من المستقبل، فلا المال ولا قوة السلاح ولا همجية القمع أبعدت عنهم تابو الكُره ليس فقط في العالم العربي ولكن في أوروبا وأمريكا وكندا، وسياستهم القمعية للشعب الفلسطيني تعزز ذلك الكُره وكل قادة إسرائيل الذين يدَعون أنهم يسعون للصلح أياديهم ملوثة بدماء بريئة وجرائم ضد الإنسانية يتباهون بها، ولذلك تُثار الشكوك حول نواياهم ومدى استعدادهم لحل الدولتين حتى وإن كانت أمريكا تدعم ذلك.

المبادرة العربية الرسمية كانت ومازالت أوضح وأشمل ولكن إسرائيل رفضتها. وهنا تُطرح الأسئلة حول جدوى أي تقارب ثنائي مع قيادة إسرائيلية مهزوزة داخليًا تناور من أجل البقاء وليس من أجل تحقيق انتصار تاريخي مشرف، لأن فاقد الشيء لا يعطيه. الذرائع التي تتحجج بها إسرائيل مازالت قائمة ومنها الانقسام الفلسطيني وعدم وجود إجماع عربي على الصلح مع إسرائيل وعدم الاعتراف بالأمر الواقع الذي خلقته على الأرض من توسع عمراني وبناء مستوطنات وبناء جدار فاصل ونقل سفارة أمريكا إلى القدس المحتلة وتجاهل كل القرارات الأممية التي صدرت من بداية قرار التقسيم في عام 1948م وقرار 242 والقائمة تطول.

إن أسطورة الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين تشكل ملحمة إنسانية وتراجيديا غير مسبوقة صنعها اليهود ومهما فعلوا لن يستطيعوا تصحيح مظالم الجرائم التي ارتكبوها. وللإجابة على السؤال:

هل إسرائيل مستعدة لحل الدولتين لأن دولة عربية قررت التطبيع معها وتبني على أمل أن دولاً أخرى ستلتحق بها؟، وهل ستكون المبادرة العربية التي تحظى بإجماع عربي القاعدة التي سيتم بموجبها الحل؟.. وأسئلة كثيرة في هذا السياق تتطلب النظر فيها بعيدًا عن العواطف والمبادرات الثنائية.

وآخر الكلام إن إسرائيل لم تصل إلى درجة تجعلها تبحث عن السلام والاستعداد لدفع الثمن وما الوضع الراهن إلا حلقة من حلقات العبث الذي تمارسه منذ تأسيسها..!