جائحة فيروس الكورونا الشهيرة بكوفيد 19 التي يعاني منها العالم اليوم ليست الأكبر في عدد الضحايا.. طاعون جوستنيان الذي اجتاح العالم في القرن السادس ويقدر أنه قتل ربع إلى نصف سكان العالم بأكمله، وساهم في انهيار الإمبراطورية البيزنطية.. وجائحة اليوم ليست الأغرب لأن في القرن السادس عشر ضرب العالم أحد أغرب الأوبئة وهو «وباء الرقص». في ستراسبورج بالنمسا في أكتوبر 1518 قامت المدعوة «فراو تروفيا» بالرقص في الشارع العام للمدينة. وكان رقصها عنيفاً وسريع الإيقاع بالرغم من عدم وجود موسيقى.. واستمر إلى أن تقطعت قدماها وسالت دماؤها وسقطت أرضاً من شدة الإعياء. وانتشرت الظاهرة الغريبة بين أهالي المدينة الأوربية فشوهد مئات البشر وهم يقومون بالرقص الغريب إلى أن يسقطوا أرضاً من شدة التعب ثم يكرروا الظاهرة الغريبة إلى مرحلة الانهيار التام أو الوفاة. واشتهر ضحايا هذا المرض العجيب باسم «ذوي الأحذية الحمراء» نظراً لأن أقدام الضحايا كانت تتعرض للجروح الكثيرة العميقة بسبب الرقص المستمر العنيف. وللعلم فلم تكن هذه الحالات هي الأولى، حيث كانت هناك سوابق في القرن الرابع عشر وتحديداً في ألمانيا ففي عام 1374 سجلت حالات متفرقة مشابهة «لطاعون الرقص». وإلى يومنا، لم تتضح مسببات الوباء الغريب، بعض النظريات أشارت إلى الفيضانات في نهر «الراين» التي غمرت بعض الأراضي الزراعية الألمانية بالمياه عام 1374 والنمساوية عام 1518 وتسببت في نشر طحالب سامة كانت تتعلق بالذرة والقمح مما تسبب في التأثير على الجهاز العصبي للمصابين. وهناك نظرية أخرى لانتشار الوباء، أهمها تلقى اللوم على الضغوط النفسية التي تعرَّض لها سكان المدن الأوروبية المعنية بسبب تفشي بعض الأمراض الأخرى. وقد تسببت تلك الأمراض في مقتل عشرات الآلاف من السكان، وأثَّر ذلك على الاقتصاد، والمجتمع، والصحة النفسية بشكل عام. ومن أهم الدروس التاريخية التي نبعت من هذا الوباء العجيب هي أهمية أخلاق العناية بالمرضى... في المدينة النمساوية المذكورة قدم السكان العون للمصابين بالرغم من الشكوك المتعلقة بالمحاور الشيطانية شاملة السحر والشعوذة. وللعلم فخلال القرن السادس عشر وبعد حوالي عشر سنوات من واقعة وباء الراقصين، تغيرت الأمور عندما بدأت حملة حرق السحرة في أوربا، فشهد العالم التباين الحضاري العجيب وقسوة التعامل مع المصابين.

أمنيــــــــة

خلال أزمة جائحة الكورونا اليوم نشهد بعض المفارقات الإنسانية المذهلة. بعض الدول تتألق بأخلاق عناية راقية وحضارية فتهتم بالجميع من الصغار والكبار والضعفاء والأقوياء، والبعض الآخر للأسف لا يخجل من إلقاء اللوم على فئات عرقية معينة، أو طبقات اقتصادية ضعيفة. أتمنى أن يهتم العالم بالجانب الإنساني فقد يكون الاختبار الأساس الذي وضعه الله لنا،

وهو من وراء القصد.