كشفت نتائج مشروع المسح الوطني للأمراض النفسية وضغوط الحياة المسببة لها أن الشباب يمثلون 40% من إجمالي المصابين بالاضطرابات والأمراض النفسية في المملكة، وأن 95% من الذين أصيبوا بأمراض نفسية لم يتلقوا العلاج، كما أوضح المسح أن اضطراب قلق الانفصال يتصدر الاضطرابات النفسية عند النساء بنسبة 13% والرجال بنسبة 11% ، كما أبان المسح أن المواطنين الأكثر تعليماً هم الأكثر عرضة للاصابة بالأمراض النفسية مقارنة بالأقل تعليماً، فيما أشار مختصون إلى ضرورة زيادة المخصصات المالية للأبحاث الطبية، والتركيز على سبل وقاية الشباب.

وأجرى المسح مركز الملك سلمان لأبحاث الإعاقة بدعم من شركة سابك ومدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية. وشارك في هذا المسح عدد من الجهات العلمية المرموقة عالمياً ومحلياً منها منظمة الصحة العالمية، جامعات هارفارد وميتشجان الأمريكية وترونتو الكندية؛ مستشفى الملك فيصل التخصصي، جامعة الملك سعود إضافة إلى هيئة الإحصاءات العامة وتعتبر المملكة واحدة من ثلاثين دولة على مستوى العالم أنجزت هذا المسح تحت مظلة منظمة الصحة العالمية وقد شمل جميع مناطق المملكة الإدارية تقريباً.

وتسلط «المدينة» الضوء على أهمية المسح ومن هم الأفراد الأكثر عرضة للإصابة في المملكة؟ ما هي الاضطرابات النفسية الأكثر شيوعاً؟ ما هي أفضل الطرق لتقديم خدمات الصحة النفسية في المملكة ؟ ما هو العبء الذي تشكّله الاضطرابات النفسية على المجتمع السعودي؟

السبيعي: المسح كشف ضرورة التركيز على وقاية الشباب

يقول البروفيسور عبدالله بن سلطان السبيعي ـ زميل الكلية الملكية للأطباء النفسيين بكندا، وباحث رئيس في المسح الوطني للصحة النفسية: أظهر المسح نسب الإصابة بالأمراض النفسية في المملكة لأول مرة، حيث إن المشروع أول مسح ميداني من نوعه في السعودية فقد استخدمت فيه أدوات بحثية في غاية الدقة وتقنيات تضمن حسن عملية جمع البيانات وصحة النتائج التي تم الوصول إليها.

ويضيف: نقطتان مهمتان في هذا المسح نؤكد عليها لكل الجهات المعنية بالصحة والمجتمع في مملكتنا الحبيبة ومتخذي القرارات فيها وهما:

1. أن نصف الذين أصيبوا بأمراض نفسية، حصل ذلك لهم في سن مبكرة (13 سنة من العمر) وأن فئة الشباب (15-34) كانوا أكثر إصابة بالأمراض النفسية بنسبة 40% وهذا يشير إلى أهمية التركيز في الوقاية والعلاج على هذه الفئة العمرية لأنها الشريحة الأكثر فاعلية في المجتمع حاضراً ومستقبلاً.

2. نسبة كبيرة 95% من الذين أصيبوا بأمراض نفسية لم يتلقوا العلاج وذلك يستدعي البحث عن السبب ويستوجب التوعية وتوفير الخدمات النفسية لأقرب نقطة ممكنة من المواطنين.

3 فوائد للمسح

يشير البروفيسور عبدالله السبيعي إلى ضرورة الاستفادة من هذا المسح في التالي:

1. التعرف على ضغوط الحياة وأنماط السلوك الشخصي أو المجتمعي والتي يمكن تخفيف وطأتها عن طريق إدارتها بشكل جيد. وهذا يفيد المؤسسات التربوية والإجتماعية في إعداد الأساليب الوقائية والعلاجية. وكذلك يمكن لوزارتي الإقتصاد والتخطيط والموارد البشرية والشؤون الإجتماعية عمل اجراءات استباقية في صناعة القرار للمواطن السعودي فيما يخصهما.

2. التعرف على المشكلات الصحية النفسية، وهذا يفيد وزارة الصحة في توفير الخدمات اللازمة لهذه المشكلات.

3. التعرف على العقبات التي يواجهها الفرد السعودي والتي تحول دون إمكانية العلاج، وهذه تفيد في التخطيط للخدمات مستقبلاً بالنسبة لكل الوزارات الخدمية.

حبيب: 7 توصيات تشمل «العلاج عن بعد»

ومن جانبه يقول الدكتور عبد الحميد حبيب المشرف العام على المركز الوطني لتعزيز الصحة النفسية وعضو فريق المسح الوطني للصحة النفسية أن المسح الميداني يعتبر اكبر مشروع وطني بالمملكة لقياس نسبة انتشار الإضطرابات النفسية.ومن أبرز التوصيات:

١- ضرورة إجراء العديد من التدخلات والأبحاث في بعض المواقع كالمدارس والجامعات التي يقضي فيها الشباب معظم اوقاتهم.

٢- يجب أن تركز الدراسات الوطنية على المجتمعات التي لم يغطيها المسح الحالي، كالاطفال وكبار السن (من تجاوز سن ٦٥سنة) حيث ركز المسح على الفئة العمرية من ١٥-٦٥ سنة.

٣- الحاجة للتركيز بشكل اكبر على الصحة النفسية للمرأة السعودية.

٤- يجب أن تكون الخدمات التي يمكن الوصول إليها والتي تلبي احتياجات الصحة النفسية للمجتمع السعودي هدفاً رئيسياً على جدول الاعمال. من الاقتراحات العملية للبحث استخدام الأساليب العلاجية عن بعد التي يمكن أن تكون آمنة وفعالة ويقدمها المختصون عبر المواقع الالكترونية للمرضى في بيوتهم.

٥- يوجد ارتباط قوي بين الصحة النفسية والصحة الجسدية، وهذا يشير الى الحاجة لإجراء أبحاث لدراسة تأثير الاضطرابات النفسية بين المرضى الذين يعانون من مرض معين كالسرطان، امراض القلب، السكر، والامراض الاخرى.

٦- الدراسات القادمة يجب أن تركز على اضطرابات نفسية معينة، وعوامل الخطورة، والتداعيات الصحية المرتبطة بها في المجتمع السعودي.

٧- يُوصى بأن تطبق مستقبلاً ابحاث الصحة النفسية بالمملكة نظام دقيق للجودة وما توصلت اليه التكنولوجيا من جديد.

الغنام: زيادة ميزانيات تمويل الأبحاث الطبية

ويقول الدكتور سليمان بن عبدالله الغنام رئيس قسم صحة السكان بمركز الملك عبدالله العالمي للأبحاث الطبية: أحد أهم أهداف رؤية المملكة 2030 هو رفع معدل متوسط العمر من ٧٤ إلى 80 عاما. ولتحقيق ذلك نحتاج إلى تضافر الجهود من شتى القطاعات كوزارة الصحة والجامعات والمراكز البحثية. ولمعرفة ودراسة طرق تحقيق اهداف الرؤية في المجال الصحي يجب التركيز على دراسة أسباب وحلول المشكلات الصحية. وبناء على الإحصائيات الرسمية تعد الامراض التالية من أهم مهددات الصحة السكانية: الأمراض المزمنة، الإصابات والحوادث، الامراض النفسية وكذلك الأورام. ويضيف: مثلاً يمثل المصابين بمرض السكر وكذلك ارتفاع ضغط الدم ما يقارب على 18% من البالغين في المملكة. ولا تزال حوادث المرور تفتك بما يزيد على خمسة الآف ضحية سنويا. لذلك بعد معرفة حجم ومسببات الامراض يجب التركيز على حلول لتلك المشكلات باتباع سبل علمية رصينة. ولتحقيق نجاحات يجب الاستثمار في زيادة مصادر تمويل الأبحاث أسوة بما هو معمول به في الدول المتقدمة حيث يوجد في الولايات المتحدة مثلاً مركز تمويل البحوث الطبية الوطني (NIH) والذي يصرف مايزيد عن أربعين مليار دولار على الأبحاث الطبية.

التويجري: 2.5 تريليون دولار تكلفة الاضطرابات النفسية

تقول الدكتورة ياسمين التويجري زائرفي كلية الطب في جامعة هارفرد ورئيسة قسم بحوث الوبائيات، مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث: تمثل اضطرابات الصحة النفسية إحدى مشاكل الصحة العامة الرئيسية، والسائدة على الصعيد العالمي، التي تؤثر على المجتمع، حيث يمتد أثرها ليشمل كافة الأعمار من كلا الجنسين، ومختلف المستويات الاجتماعية،الاقتصادية و الثقافية. و قُدرت التكاليف الاقتصادية العالمية للاضطرابات النفسية بـ 2.5 تريليون دولار أمريكي، وفقًا لبيانات منظمة الصحة العالمية، التي جعلت الأولويه للصحة النفسية في عام 2019

34% من السعوديين يعانون الاضرابطات النفسية خلال حياتهم

وتضيف الدكتورة التويجري أن نتائج المسح، التي تم الكشف عنها في أواخر عام 2019، أظهرت أن حوالي 34% من السعوديين تنطبق عليهم معايير تشخيص اضطرابات الصحة النفسية في وقت ما من حياتهم. وبشكل أكثر تحديداً، يستوفي اثنان من كل خمسة شباب سعوديين معايير تشخيص اضطرابات الصحة النفسية في وقت ما من حياتهم. هذه الإحصاءات مماثلة لإحصاءات البلدان الأوروبية مثل فرنسا وهولندا، وأقل من نيوزيلنداو الولايات المتحدة الأمريكية..

كما أظهرت النتائج أن حوالي 13% من السعوديين فقط يسعون لتلقي العلاج لاضطراباتهم الصحية النفسية في إحدى السنوات من حياتهم. وفي الواقع فإن 80% من السعوديين الذين شُخِّصوا باضطرابات حادة في الصحة النفسية لا يسعون لتلقي أي نوع من العلاج. ونحن نعمل على دراسة أسباب انخفاض تلقي العلاج، والذي قد يكون سببه قلة الوعي، أو العقبات التي تحول دون الوصول للعلاج، أو الوصمة. كما أظهرت النتائج أن حالات اضطرابات الصحة النفسية تؤثر على السعوديين الأكثر تعليماً مقارنة بالأقل تعليماً. وهذا ليس مستغرباً، لأن العديد من هؤلاء المتعلمين هم من الشباب ويشكلون غالبية السكان السعوديين. وتؤكد هذه النتائج على الحاجة إلى إجراء البحوث المستقبلية التي تستهدف هذه النتيجة بشكل خاص وتستند عليها، نظرًا لأنّ فئة الشباب تمثل موردًا حيويًّا في جميع البلاد.

«قلق الانفصال» يتصدر اضطرابات النساء والرجال

وتؤكد الدكتورة التويجر أنه وبحسب المسح فإن أكثر الحالات النفسية انتشارًا بين النساء في المملكة اضطراب قلق الانفصال بنسبة 13.0%، ويأتي ثانيًا الاضطراب الاكتئابي الرئيسي بنسبة 8.9%، وفي المرتبة الثالثة الرهاب الاجتماعي بنسبة 7%، وفي المرتبة الرابعة اضطراب نقص الانتباه / فرط الحركة بنسبة 6.0%، ثم في المرتبة الخامسة اضطراب الوسواس القهري بنسبة 4.9%. كما بينت نتائج المسح الوطني أن أكثر الحالات النفسية انتشارًا بين الرجال في المملكة اضطراب قلق الانفصال بنسبة 11.0%، ويأتي ثانيًا اضطراب نقص الانتباه / فرط الحركة بنسبة 10.0%، في المرتبة الثالثة الرهاب الاجتماعي بنسبة 4.3%، وفي المرتبة الرابعة اضطراب ثنائي القطب بنسبة 4.0%، ثم في المرتبة الخامسة الاضطراب الانفجاري المتقطع بنسبة 3.8%.

وتأمل الدكتورة التويجري أن تفتح النتائج التي توصل لها المسح إلى إيجاد حوار حول الصحة النفسية، وزيادة الوعي، وأن تكون موردًا تعليميًا يزيد من فهم ظروف الصحة النفسية السائدة بين السعوديين، ويساهم في تحدي الوصمة وهو الشعور بخجل من المجتمع، ليس فقط في المملكة، ولكن أيضًا في المنطقة كلها وتؤكد أن أهمية هذا المشروع تكمن في تزويد الأطباء وصانعي القرار في مجال الصحة، برؤية لتوفير الخدمات الوقائية، والعلاجية، والتأهيلية ذات الصلة في المملكة ومشيرة إلى وجود صلة قوية بين الصحة النفسية والبدنية