في فصل بعنوان (التطبيقات القاتلة) يؤكد مؤلفا كتاب (حالة الإنسان- الآلة) أن اهتمامات «ما فوق- الإنسانوية» «بتعزيز الإنسان والتعقيد التكنولوجي» ليست مجرد ترف للنخبة التكنولوجية، بل تقف في «قلب المحرك الأقوى للتجديد والتحول الاجتماعي»، المتمثل في «التداخل المتسارعِ التطور بين التكنولوجيات البازغة والعمليات العسكرية والأمن القومي».. يرى المؤلفان أن «العلاقة الحميمة بين التطور التكنولوجي والنشاط العسكري محورية في حالة الآلة- الإنسان».. هذه العلاقة ليست حديثة بطبيعة الحال، فمنذ حصان طروادة، إلى السفن الحربية، والأقواس الطويلة، ثم البنادق البارودية، والدبابات فالطائرات والصواريخ... الخ: «إن المزيج بين تحدي الوجود للمجتمع، المتمثل بالحرب، والتفوق المباشر على العدو، الذي تقدمه التكنولوجيات الجديدة، كان دائمًا من أهم المسرّعات للتجديد التكنولوجي وانتشاره عبر التاريخ».

ويركز التطوير التكنولوجي على اتجاهين غالبًا: العمليات العسكرية الخارجية والأمن القومي.. (من هنا تظهر باستمرار مقاتلات وقاذفات وأسلحة مطورة تكنولوجيًا بحيث لا تحتاج لتدخل إنساني يقودها، وأنظمة مراقبة مخابراتية وتجسس دقيقة جدًا يمكنها من ملاحقة كل إنسان في أي وضع).. وقد أحدثت التطورات التكنولوجية في الشأن العسكري تحولات جذرية عبر التاريخ، ما أدى «إلى زعزعة الاستقرار ضمن المؤسسات العسكرية نفسها، مع احتمالات لتأثيرها ليس في العمليات العسكرية فحسب، ولكن أيضًا في الثقافة العسكرية والتنظيم العسكري، وفي المنظور الاجتماعي الأوسع للمبادرات العسكرية وأهدافها».

ومن المهم الإشارة هنا إلى تغيّر المفاهيم المتعلقة بالحرب، والأعداء، والمواجهات العسكرية.. فلم يعد العدو- بالضرورة- دولةً معينة، مثلما كان هتلر للعالم، أو الاتحاد السوفيتي للولايات المتحدة إبان الحرب الباردة.. وفي حروب عصرية حديثة لم يكن العالم متأكدًا من هو الخصم: «أين هي ساحة المعركة في أفغانستان؟ أين كانت في فيتنام؟ بل حتى من هو العدو في مثل هذه الصراعات؟». هذا يقود إلى تغيّر أسباب التدخل العسكري ودوافعه، حيث جلب العصر الحديث مشكلة اضطهاد الأقليات، فظهر معه ما يسمى بقـانون «مسؤولية الحماية» الذي يتيح للقوى العظمى التدخل العسكري في الدول الأخرى.. كما أن طبيعة المعارك تغيرت من شكلها المنتظم إلى نظام حروب المليشيات والتمردات والانقلابات والثورات المضادة، ما جعل الحروب غير محدودةِ الزمان والمكان..

وبرزت إثر ذلك مشكلة أخرى، تتلخص في تبني المجموعات المقاتلة (مثل المليشيات والمنظمات الإرهابية) للأسلحة غير التقليدية التي طُوّرت للمعركة ضدها مثل «الروبوتات والتعزيزات البيولوجية- وبسرعة، لتستخدمها ضد مطورها الأصلي، مثلًا في أفغانستان أصبحت البرمجيات التي طورت لمراقبة أهداف للطائرات من دون طيار تستخدم من قبل المتمردين لمراقبة مواقع الجنود الأمريكيين».

هذه الملاحظة الأخيرة هي إحدى مناطق القلق في ما يخص تكنولوجيات الأمن القومي، المعتمدة على أحدث التطورات في تكنولوجيا المراقبة والتعرف على الأشخاص والمجموعات، واستهداف أهداف معينة يقودها عادة أجهزة المخابرات ومؤسسات الأمن القومي وغيرها.. هناك أسئلة كثيرة حول مشروعية انتشار هذه التقنيات، التي تهدد قيم الحرية والخصوصية الفردية، وتشرّع مراقبة الناس، والتعدي على مساحتهم الخاصة، ومضايقتهم والتضييق على حيواتهم.. يزداد الخطر حين تتسرب «هذه التكنولوجيا إلى المجتمع المدني عبر شركات خاصة شبه حكومية لا تمتلك الثقافة (العسكرية) ولا بعض الحمايات القانونية التي لا تنطبق عليها (لأنها حكر على المؤسسات الحكومية)..».