كل ما فاز الهلال ببطولة أتذكر رجاله الأوائل أكثر ممن هم في واجهة الإنجاز، والسبب انني مؤمن اشد الأيمان ان الهلال يغرف من بحر التأسيس والنشأة، ولايحفر في صخر الاجتهاد وتجريب الخطأ والصواب، التي حينها «لا يمكننا ان نجزم بأن ما نقوم به هو دائما الصواب، وان ما نرفضه هو دائما الخطأ»، كما يقول «جون سيتورات ميل» الفيلسوف الاقتصادي البريطاني.

سفينة الهلال صنعت باتقان لتتغلب على طول المسافات وتغالب الأمواج، اتفق رجالها على ان من يقودها يصبح كبيرهم، ومن يحاول خرقها او يحرف وجهتها، يأخذ على يده ولا يلقى به في عرض البحر، وعلى ظهرها تعيش الأسرة الزرقاء تسعى لرزقها، تعارك المصاعب وتتصدى للتحديات، وتتشاور تختلف وتتفق، تنجح وتفشل لكن السفينة دائما متينة والعقول تحسب للكبيرة والصغيرة.

صناعة فريق ينجح في الحصول على بطولة، يختلف عن تأسيسه وتنشئته على ان يظل بطلا، الأولى ثمنها فاتورة، اما الثانية هي تصديق برسالة يلتف حولها من يترجم ما جاء فيها، ويسعى لنشرها ومن ثم العمل لإعلائها والدفاع عنها، مفاهيم وأساليب اتفق ان تحكم طبيعة العلاقة بينهم، شكلت في الأخير ما يمثل الثقافة، لكن بما يشبه الدستور الذي يحدد هلاليا الخطأ والصواب.

يظهر وجه المؤسس الشيخ عبد الرحمن بن سعيد كالقمر في سماء الهلال ليلة كل انتصار، هذا الرجل الذي زرع اللون الأزرق في عيون أهل الرياض، ما غاب عن خاطرهم منذ رحل، ترك يده اليمنى في كل المنصات، وعباءته بوسع الرياض تجمع المبتهجين المحتفلين، توحد نشيدهم «هنا الهلال مجد تليد لا يطال.. فخر الزعامة والرجال» وظل عمود خيمتهم الذي جعل جميعهم «على قلب رجال».

ليس احتفالا ببطولة هلالية تحققت، فهي ليست اهم من منهجية دامت واستقرت، هي من تستحق ان تذكر، وان نستذكر من صنعها ووضع أسس سار عليها من بعده وعززها، حتى صارت منهجا وأسلوب عمل وسمة تعامل، وليس اهم من ابن سعيد رحمه الله لأن ينسب له فضل حياكة القميص الأزرق مرصعا بالنجمات، وفي يد كل رئيس كاسا، وتاجا على رأس كل هلالي.

من المهم ان نتنبه الى ان ما قام به الراحل ابن سعيد وشركاءه قبل أكثر من ستين عاما، يكاد يتطابق مع ما جاء، في تعريف العمل المؤسسي في تحديده لعناصر بناءة، حيث «الافكار والمشروعية القانونية والهدف والمال» وان تكون من صفاته «امتلاك العقلية الناضجة والابتعاد عن عقليات السيطرة والتملك» فهل هذه اسرار نجاحه فقط ام غيرها كثير؟