نعم اليوم الوطني يأتي مرة في السنة، ولكنه حين يأتي لا يأتي منفرداً بل يأتي وهو حامل كمية كبيرة من الذكريات والمشاعر والمحبة وبناء الماضي وعطاء الحاضر وقراءة ملامح المستقبل عبر ممرات الأمل والعمل والنجاح والفلاح.

نعم هو اليوم الوطني، المشاعر كبيرة ولكني محصور باللغة التي ليس فيها أكثر من ثمانية وعشرين حرفاً، ومع هذا عليّ أن أقول ما في قلبي رغم محدودية اللغة التي تحدُّني بحدود الحروف وتقيِّدني بإطارات المعاني.

في الأمثال قالوا: «لا تضع البيض في سلة واحدة»، ولكن حين أنظر إلى وطني سأتجاهل هذا المثل وأقول إنني وضعت كل عواطفي ومشاعري في سلة الوطن، هذه السلة التي لا أعرف غيرها من الأماكن والأوطان.

نعم قالوا: «الحب أعمى» وأنا أقول: «بل الأعمى هو الذي لا يرى جماليات الوطن حين يستيقظ الصباح وهو يتنعم بنعمة الأمن والعافية، والحصول على القوت بأيسر الطرق وأبسط المسائل».

قالوا في الأمثال: «إن الإنسان يحب وطنه حتى ولو كان هذا الوطن ظالماً»، فما بالك حين تعيش في وطن يصنع العدالة ويمنحك الأمل ويساعدك على العمل، ويزرع طريقك بالتفوق والنجاح والصلاح.

نعم إننا نحب الوطن ونموت من أجله ولكن أتمنى قبل أن نموت من أجله، لماذا لا نفكر أن نحيا من أجله، نحيا به ومعه وله، ولقد صدق فيلسوفنا توماس كارليل حين قال: «جميل أن يموت الإنسان من أجل وطنه، ولكن الأجمل أن يحيا من أجل هذا الوطن».

عام يذهب وعام يأتي وهكذا هو اليوم الوطني، الأرقام تتغير تأتي وتذهب ولكن الوطن مع كل رقم ومع كل سنة يزداد هيبةً وجمالاً وعطاء.

ماذا نفعل لأوطاننا إذا كنا لا نملك إلا حياة واحدة، وقد لمس هذا المعنى الفيلسوف شيشرون حين قال:

«إنني آسف لأنني لا أملك إلا حياة واحدة أضحِّي بها في سبيل وطني».

الوطن هو هذه الدائرة التي لا نستطيع الخروج منها إلا لها وإذا غادرناها حملنا الحنين إليها وشدنا الشوق من تلابيب قلوبنا إلى إطارها.

الوطن هو الأم الكبرى التي تحتضننا منذ الولادة وحتى الموت.

قد يدخل الإنسان في مقارنات إذا كان يعيش في وطنين حين قال فولتير: «إن خبز وطني ألذ وأفضل من كعكة الأجنبي»، سنقول له على رسلك يا فولتير، فنحن ولله الحمد نأكل من خبز وكعكة الوطن، وكلاهما من منتوجات بلادي ومن خيرات أرضها التي ترفرف عليها راية «لا إله إلا الله محمد رسول الله»، تلك الراية الخفاقة التي تعلِّمنا السلام والمحبة والعطاء والوئام.

إننا نحب المزاح، ولكنْ للمزاح خطوط حمراء، فالوطن لا يمكن المزاح معه، بل يجب احتضانه ومحبته وإعطاؤه كل ما نملك من المحبة، ولقد صدقت الفيلسوفة الروائية إيزابيل الليندي حين قالت: «الأم والوطن لا يمكن المزاح فيهما لأنهما مقدَّسان».

حسناً ماذا بقي:

بقي القول: حتى أغلق هذه المساحة التي فتحتها للوطن سأقول منادياً هذه الأرض التي أنجبتني:

وطن الشموخ أنا هنا، حدِّق أتعرف من أنا؟

أنا ذلك الشبل الذي، ذكراه كانت هاهنا