الذكرى التسعون لوحدة الوطن هي ذاكرة وجودنا على جغرافيا الولاء والانتماء، فالتميز الذي تمتلكه المملكة هو تميز فريد يجعل من قيمة الولاء والانتماء قيمة مضافة على نحو مخصوص.

إن ذاكرة الوطن في السعودية هي بصورة أو بأخرى ذاكرة تتقاطع فيها أفئدة وأهواء لمجموعة من الشعوب التي تجمع بينها أواصر المحبة والسلام والإسلام والأخوة الإنسانية.

اليوم الوطني الذي نستعيده مرة في العام هو أيضًا يوم الوحدة والتلاحم الذي من الله به على هذه البلاد التي تضم بين جنباتها الحرمين الشريفين مهوى أفئدة المسلمين من كافة انحاء العالم.

الملك عبدالعزيز طيب الله ثراه قيمة ورمز كبير في حياة كل السعوديين، رجل آمن بربه أولا ثم بقدراته وكانت طموحاته تصل لعنان السماء مؤكدًا على وحدة الوطن المترامي الأطراف والقليل في إمكاناته المادية لكنه كبير وقوي بعزيمة رجاله المخلصين.

الأوطان لا يمكن أن تجسدها إلا وقائع حقيقية على الأرض، وتجارب ومشاريع وطنية كبرى وخطط تنموية تذكر الناس باستمرار أن هذه الذاكرة الحية هي المشعل الذي يضيء لهذا الشعب علامات الطريق.. ولهذا حين تحين ذكرى اليوم الوطني لابد لكل من يريد أن يعرف معناها الحقيقي أن يتأمل في هذا الصرح الوطني الذي وضع أساسه الملك المؤسس عبدالعزيز آل سعود رحمه الله.. فما نراه اليوم من ازدهار ونهضة لم يأتنا هكذا بدون جهد ولا تعب لأن هذا المستوى الذي تنعم به المملكة اليوم في مختلف ضروب الحياة وما تشهده من تحولات كبيرة في ميدان البناء والتعمير والتعليم والصحة والخدمات وغيرها من المشاريع الوطنية العملاقة انما هو نتيجة لتأسيس قوي وتوزيع عادل للفرص على مدى تسعين عامًا، كل ما نراه اليوم ان اليوم الوطني لكل أمم الأرض هو بمثابة عودة إلى يومها الأول الذي شهدت فيه وحدتها وبدايات تأسيسها وانبثاق قيادتها لتتأمل بعد ذلك مسارها وتقيس حاضرها المزدهر على ماضيها، ويومها على أمسها، وتتلمس التحولات التي اضطرد فيها مسار النهضة والتقدم ليحفزها ذلك إلى مزيد من النهضة والتقدم.. وحين يتجدد اليوم الوطني كل عام فإنما هو دعوة للتأمل والحفاظ على ما أنجزه أبناء الوطن قيادة وشعبًا.

فالوطن هو علامة الولاء التي تجعل من المواطنين أكثر إحساسًا بحياتهم وحقوقهم، لأنه يعيد تعريفهم وفق قيم وطنية من شأنها أن تمنحهم ذلك الشعور النبيل بالكرامة والصدق والانتماء، ويوم الوطن وان جاء زائرًا في العام مرة واحدة إلا أن تجلياته والاحساس به هو سلوك وشعور عام في تجاربنا وعلاقاتنا التي تمنح وعينا بالعيش في كنفه قيمة مضافة ودالة خاصة على استحقاقنا لحياة كريمة.

يوم الوطن المجيد ينبغي أن يكون ذاكرة حية مفتوحة على الأمل والاخلاص والوحدة والانتماء واللحمة الوطنية، لنكون بتلك المشاعر أكثر قدرة على تمثل الروح الوطنية الحقة في يوم الوطن المجيد، لا تتجلى وتكتمل قيم العطاء المتبادل بين المواطن ووطنه الا في اللحظات الحرجة حين يحتاج الوطن الى أبنائه تمامًا كما يحتاجون اليه، وليس هناك من لحظات قوية معبرة عن معاني التضحية والفداء الا في الدفاع عن الوطن في كل وقت، وبكل غال ونفيس.. حفظ الله الوطن وقيادته الحكيمة وشعبه الوفي وأرضه المباركة.

من السماء حتى الأرض هناك فرحة لا يحدها الزمان ولا المكان باليوم الوطني التسعون للمملكة العربية السعودية، فوق هام السحب تتجلى نشوة الأخضر محلقًا بسرب الطائرات وفوق الثرى يتطاول العمران شامخًا مزهوًا بالوطن ولونه.. وبين السحاب والثرى شعب استحق العيش فوق هذه الأرض فاستحق الفرح الذي يزهو بالأخضر وبالحياة وبالنور والايمان والأمان.

يحق لنا في يومنا الوطني التسعين أن نفخر بتقدم المملكة الى المرتبة 27 عالميًا والثانية عربيًا في تقرير السعادة العالمي 2020 والصادر عن الأمم المتحدة من بين 156 دولة تناولها التقرير، الذي يصدر سنويًا بالتزامن مع يوم السعادة العالمي في 20 مارس من كل عام.

التقرير يقيس مؤشرات السعادة والرفاهية وجودة الحياة وهو التقرير الثامن منذ إطلاق المؤشر الذي شهد تقدم المملكة الى المرتبة 27 بعد أن كانت في المرتبة 28 في عام 2019 و33 في عام 2018.

وصنف التقرير 186 مدينة عالميًا من حيث الرفاهية والسعادة وجاءت المدينة المنورة في المرتبة 46 وجدة 59 والرياض 62 ومكة المكرمة 65 كما توقع التقرير دخول مدن الرياض وجدة والمدينة في قائمة أفضل 20 مدينة في العالم بالمستقبل ووصول مكة المكرمة الى المرتبة 35.

ان حلول المملكة في المرتبة 27 يعد مؤشرًا مهمًا على الجهود التي تبذلها المملكة لتحقيق السعادة والرفاهية المجتمعية، فكل مبادرات برنامج جودة الحياة ومشاريع الوزارات والهيئات المختلفة وضعت سعادة المواطن نصب أعينها.. والتقدم في كل عام مرتبة يعني الكثير فالعالم يتقدم أيضًا ولسنا في السباق وحدنا فالمملكة تقدمت على دول مهمة عالميًا مثل اسبانيا وإيطاليا وكوريا الجنوبية.

المملكة تهدف قيادتها لتكون رائدة في جودة الحياة عالميًا وهذا جزء من الحراك الكبير ضمن رؤية المملكة 2030 ومشاريع ضخمة أطلقتها مؤخرًا.

الملك سلمان بن عبدالعزيز وسمو ولي عهده الأمين يؤكدان ان سعادة ورفاهية المجتمع تأتي على رأس أولويات المملكة.

ويعد تقرير السعادة العالمي أحد المؤشرات التي اعتمد عليها برنامج جودة الحياة وأحد برامج تحقيق رؤية المملكة 2030 في وضع خططه ومبادراته مع مؤشرات عالمية أخرى.

المملكة اليوم تنطلق في مسار جديد مستلهمة تجربة الوحدة والتأسيس من الملك عبدالعزيز رحمه الله وتؤسس وجودًا مختلفًا مغايرًا تمليه رهانات العصر ومتغيرات العالم الحديث وتحديات المرحلة الدقيقة التي تواجه فيها وعدًا بمستقبل واعد ومشرق.