حلَّ علينا قبل أيَّام شهر الميزان، شهر الاعتدال ونحن في بلد الحرمين الشريفين؛ مهد الإسلام ومهد الحضارة.. إنَّنا أُمَّة الميزان والاعتدال والتعايش المشترك بين أطياف مجتمعنا كافَّة على تعدُّد أصولنا وأعراقنا ولهجاتنا.

في شرع ولاة أمورنا، وبما يتًّفق مع ما يذكره المهتمُّون بعلم الفلك عن مواليد هذا الشهر، وبأنَّه يترك أثرًا طيِّبًا.. وهؤلاء يتمتَّعون باتِّزان كبير في الجوانب الحياتيَّة والعقليًّة والجسديَّة.. يمتلكون الكثير من الأفكار، ويستخدمون عقولهم وتفكيرهم المنطقي والتحليلي في التخطيط والعمل.. ويظهرون إبداعًا في مجال الأعمال البصريَّةً، ويمتازون بتفائلهم وانفتاحهم على الآخرين.. يمتلكون أمزجة متَّزنة، ومن الصعب تعكيرها أو إزعاجهم أو فقدهم أعصابهم.. يمتلكون أسلوبًا مميزًا في التعامل مع الآخرين.. يعرفون الكلام الذي يجب قوله للمُحافظة على علاقة سويَّة مع غيرهم.. ويستمعون بهدوء وصبر لوجهات نظر الآخرين.. ويردّوُن بلباقة في حال الاختلاف معهم.. فكلُّ تلك الصفات تتوافر في شخصيَّة من عمل على قيام المملكة في هذا الشهر، ألا وهو المغفور له بإذنه تعالى؛ الملك المؤسِّس عبدالعزيز آل سعود طيَّب الله ثراه.

يسجِّل التاريخ لجلالته أنَّه في اليوم الأول من شهر الميزان من عام ١٩٣٢ تمَّ الإعلان عن توحيد المناطق التي وفَّقه الله لتحريرها في جزيرة العرب، وكانت البداية للخلاص من حكم المستبدِّين والعملاء، وإضافة (مملكة الحجاز ونجد) وملحقاتها إلى اسم المملكة العربيَّة السعوديَّة بعد أن لمَّ جلالته شمل أطياف المجتمع المحرر كافَّة من الخليج إلى البحر الأحمر، واستتبَّ الأمن والأمان، فكانت الدولة العربيَّة الوحيدة التي قدَّمت انتماءها العربي على اسم مؤسَّسها، أمر لم تأخذ به دول عربيَّة في شرق المتوسَّط وشمال أفريقيا.

والآن، بعد انقضاء قرن كامل على وحدة أطياف مجتمعنا السعودي، ومتانة نسيجنا الوطني.. أمر لم يتحقَّق عند أشقَّائنا الآخرين الذين رفعوا شعارات الوحدة والحريَّة والتعايش المشترك، رافعين اليافطات الدعائيَّة ترفرف في الشوارع والميادين وتظهر على شاشات الفضائيَّات، وتترِّدد مفرداتها الرنانّة في الخطب والمناسبات بينما تركت شعوبهم في قهر وفرقة وانقسام.. وتعود بي الذاكرة إلى ما ينوف على نصف قرنٍ، وَأنا أَستمع لقصيدة الأخطل الصغير في ذكرى اليوم الوطني:

الْعُرْبُ فِي كُلِّ بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِهِمُ

عُرْسٌ... وَأَنْتَ لِرَبَّ «الْبَيْتِ» تَبْتَهِلُ

أَبَا سُعُودٍ، عُيُونُ اللَّهِ سَاهِرَةٌ

عَلَيْكُمَا، مَا سُيُوفُ الْهِنْدِ؟ مَا الْأَسَلُ؟

أَبَا الْكَوَاكِبِ وَجْهًـا وَالْغُيُوثِ يَـدًا

مِنْ كُلِّ مَنْ يَحْتَذِي الْعَلَيَا وَيَنْتَعِلُ

أَبَا الْعُرُوْبَةِ لَا تَرْضَى بِهِ بَدَلًا

وَلَوْ تَنَكَّبَ عَنْهَـا، أَعْجَزَ الْبَدَلُ

هذا اليوم، لا ريب هو يومنا الوطني الذي دأبت بعثاتنا الدبلوماسيَّة في الخارج على إقامة حفل يدعى له كبار شخصيَّات البلد المضيف من سياسيَّين واقتصاديِّين وإعلاميِّين وأساتذة علم وتعليم ورجال مال وأعمال وأصدقاء المملكة ورؤساء البعثات الدبلوماسيَّة المعتمدين والعاملين فيها لمشاركتنا الفرح بهذه المناسبة التي حقَّقت آمال أمَّة العرب بالوحدة بعد تقطيع أوصالها ممن تقاسموا إرث السلطنة العثمانيَّة، فجاءت جهود الملك المؤسَّس موحَّدة أقاليم واسعة من جزيرة العرب بعد فرقة وتباعد لقرون عديدة، مثبتة للمشكَّكين في لمّ شمل الأمَّة الواحدة، وعودة المشرق العربي إلى التعايش المشترك بين أطيافه المتعدَّدة عندما تجد رجلها الذي وهبه الله القدرة على تحقيق تطلُّعات أمّته، وتأمين متطلَّباتها في الأمن والأمان والعيش الكريم ، ويمتلك القدرة على إقامة دولة عصريَّة تواكب متطلَّبات العصر، وتحقّق لمواطنيه حياة كريمةً دون التخلَّي عن الثوابت والقيم والتراث.

وقد وجدنا في الملك المؤسِّس يرحمه الله، وفي انجاله البررة الملوك وخدَّام الحرمين الشريفين، وسدنته القيادة السليمة، وإقدامهم على انضمام المملكة للعديد من المنظَّمات والتوقيع على عدَّة اتفاقيَّات كميثاق الأمم المتَّحدة عام 1945م، والمساهمة في تأسيس العديد من المنظَّمات الدوليَّة التي تهدف إلى الأمن والاستقرار.. وما تزال تسهم بكرم وسخاء في أمر من شأنه تعزيز التعاون المشترك بين جميع شعوب العامَّة تطليقًا لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبٍيرٌ﴾.