Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
طارق علي فدعق

جــــــــــــــردل

A A
عنوان المقال يرمز إلى الدلو أو السطل.. وكلمة جردل لها بعض الجوانب التاريخية الجميلة، ففي تاريخ باريس كانت كلمة «جردلو» مرعبة. الكلمة مشتقة من التحذير من المياه، وفي العصور المظلمة كانت تعلن عن رمي ماء القاذورات من نوافذ الشقق الباريسية على الشارع مباشرة.. نعم.. تلك القاذورات...وبدون سابق إنذار...فكل ذلك قبل توفر أنظمة الصرف الصحي أعزكم الله. والآن ندخل في موضوعنا: اليوم نجد أن كلمة «كورونا» من مسببات الرعب أو على الأقل القلق الرهيب بسبب الجائحة، ولها استخدامات بعيدة كل البعد عن الأمراض والفيروسات.. كانت هناك سيارة تويوتا كورونا جميلة أيام زمان.. وكانت تطلق أيضاً على جزء من الزخرفة المعمارية.. وعلى شوكولاتة مصرية لذيذة.. وأحد أنواع السيجار.. وسبع مدن في الولايات المتحدة.. والجزء الخارجي من الغلاف المحيط بالنجوم.. وأحد الأجزاء المهمة العلوية في المخ، ولا عجب في ذلك فمعنى الكلمة اللاتينية هو التاج. وموضوعنا اليوم من الاستخدامات الغريبة للكلمة فكانت ترمز لأحد أهم برامج التجسس في التاريخ الحديث باستخدام التصوير من الفضاء.. بدأ هذا البرنامج ببداية الحرب الباردة وعصر الفضاء في نهاية الأربعينيات الميلادية بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي. وكان يشمل مكونات، أسماؤها تستحق وقفة تأمل.. الصاروخ كان اسمه «ثور» Thor.. والمحرك كان اسمه «عجينة»Ageena

. وأما الجردل فكان عبارة عن كبسولة في مقدمة المركبة يصب فيه شريط الكاميرا الضوئية. وكانت تلك الكاميرا بحجم دباب «سوزوكي» صغير. وفي تلك الأيام قبل عصر الكاميرات الرقمية كان طول شريط الفيلم يصل لآلاف الأمتار. كان الصاروخ يطلق في سرية تامة من قاعدة «فاندين برج» في جنوب ولاية كاليفورنيا باتجاه الجنوب ليصعد إلى ارتفاع مئات الكيلومترات ويصور الاتحاد السوفيتي أو الدول الموالية له. وقبل أن ينهي الصاروخ مهمته ويتحطم تماماً، كان يفصل جزؤه الأمامي «الجردل» ليهبط في المحيط.. وأثناء هبوطه، وعلى ارتفاع آلاف الأمتار كانت تفتح مظلات لتهدئة سرعته استعداداً لنتشه في الهواء من طائرات حربية بمعدات خاصة. وبعدها كان يتم تحميض شريط فيلم الكاميرا. وكل هذا كان يتم بسرعة رهيبة ودقة عالية. ومن الطرائف أن تلك التقنية استُخدمت بطريقة لا تخطر على البال. وبعدما أثبتت جدواها من خلال عشرات العمليات سنوياً التي بدأت عام 1959، تم تطويعها وتطويرها ليصبح الجردل هو الكبسولة المصممة لحمل رواد الفضاء.. بدأت بالقرد «هام» في يناير 1961 ثم «آلان شيبرد» في مايو 1961، ثم مجموعة الستة رواد الآخرين في برنامج «ميركوري» الذي وصل الى الفضاء.. ثم برنامج «جيمني» الذي مهد الطريق لبرنامج «أبولو» الذي وصل إلى سطح القمر.

وبعد كل الهيصة في برنامج كورونا.. من التكاليف الهائلة، والسرية والكتمان، وآلاف الأمتار من شرائط الأفلام.. والعجينة.. والثور...تم إيقاف البرنامج بالكامل في السبعينيات الميلادية عند إطلالة تقنيات الكاميرات الرقمية وقدراتها الرهيبة.

أمنيـــــــــــة

أتمنى أن نتذكر نعم الله علينا وخصوصاً التقنيات الجديدة التي أصبحت أشبه بالسحر.. قدرات الجوالات التي نحملها في جيوبنا أصبحت تفوق قدرات برامج عسكرية كلفت بلايين الدولارات قبل سنوات. وسبحان الله وبحمده، وهو من وراء القصد.

Nabd
App Store Play Store Huawei Store
X