الإسلام والسلم والسلام، كلمات مترادفة تعنى بكرامة الإنسان والمحافظة على أمنه وأمانه واطمئنانه.. وعليها بُنيت مكارم الأخلاق التي بعث الله رسولنا الكريم محمَّد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم لإكمالها.. وأمرنا عليه الصلاة والسلام بالعمل من أجل إحلالها لتكون بديلًا من الحروب وما تخلِّفه من مآس ودمار.

اليوم يشنُّ على مملكتنا هجوم آثمٌ شرس من جيراننا العرب، ومن عديمي الأخلاق والإنسانيَّة والطامعين في أرضنا وثرواتنا، ومن الناقمين على أسلافنا الأوَّلين الذين قضوا على أعتى إمبراطوريتيِّ الروم والفرس اللتين حكمتا العالم بالظلم والقهر قرونًا عديدة، حتَّى زمن بعثة رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام الذي بحكمته وبما أعطاه له الله من توفيق في إحقاق الحقِّ وإزهاق الباطل السائدين في جزيرة العرب والعالم القديم، فمكَّنه من اليوم الأوَّل الذي حلَّ فيه بالمدينة المنوَّرة مهاجرًا من مكَّة المكرَّمة من لمِّ شمل أطياف المجتمع على تعدُّد أصولهم ولغاتهم ودياناتهم، ومؤاخيًا بين المهاجرين والأنصار الذين فيهم العديد من اتباع الرسالات الموسويَّة والنصرانيَّة والصابئة.. فالجميع في حكم الإسلام سواسية في الحقوق والواجبات، ووفق الضوابط التي نزل بها القرآن الكريم.. وبموجب سماحة هذه الضوابط، انتشر الإسلام وساد حكم المسلمين من أقصى شرق آسيا إلى أقصى غرب أفريقيا، وشمالًا إلى شبه جزيرة آيبيريا وشمال حوض البحر الأبيض المتوسَّط.. ومن بعدُ، إلى أوروبَّا الشرقيَّة على مدى ثلاثة عشر قرنًا، انتهت بسقوط السلطنة العثمانيَّة وتجزئة المشرق العربي إلى دويلات رسم حدودها سايكس وبيكو، وزيرا خارجيَّة بريطانيا وفرنسا بما يمكِّن الصهاينة من إقامة وطن يهودي لهم فوق أرض فلسطين المقدَّسة، ببيت المقدس ثالث الحرمين الشريفين.. وبسقوط القدس في أيدي الصهاينة، وتشتُّت الفلسطينيَّين في مشارق الأرض ومغاربها، ومع تصريح الإسرائيليين العلني بأنَّ حدود دولتهم التي يعملون من أجل إكمالها هي من الماء إلى الماء... راسمين تصوُّرهم للحدود على عملتهم المعدنيَّة حيث الشمعدان، وقاعدته تبرز الحدود من الخليج العربي صعودًا إلى بلاد الرافدين، فشمال سورية، ونزولًا إلى شرق البحر الأبيض المتوسَّط، فمجرى نهر النيل، ومن ثمَّ شرقًا إلى بحر العرب.

نوايا كهذه التي يصرَّح بها الصهاينة بعد أن احتلُوا كامل التراب الفلسطيني، وضمُّوا مرتفعات الجولان السوريَّة إلى دولتهم، ربيبة الاستعمار البريطاني والفرنسي، توجب الحذر واتِّخاذ السبل المتاحة كافَّة لإبطال هذا المخطَّط الأخطبوطي التوسُّعي لدولة اسرائيل، وبشتَّى الطرق بدءًا بالدبلوماسيَّة التي تعمل على حقن الدماء، وتحافظ على حياة الأبناء والأحفاد، وتحي من جديد أسَّ التعايش السلمي الذي طبَّقه المسلمون قرونًا عديدة من الزمن.

وقد يكون اعتراف عدد من الدول العربيَّة بدولة اسرائيل خطوة في طريق لجم التوسُّع الصهيوني، وبقاء دولة الصهاينة ضمن الحدود المتعارف عليها قبل حرب يونية حزيران عام 1967، ولكسر حاجز التعنُّت والرفض الذي تتَّبعه الحكومات الإسرائيليَّة المتعاقبة منذ عام 1967 برغم الانتفاضات الفلسطينيَّة المتعاقبة التي بذل فيها الفلسطينيُّون الغالي والرخيص بأنفسهم وممتلكاتهم. ومع التوسُّع في بناء المستوطنات، وعدم التجاوب مع بادرة السلام العربيَّة التي أطلقها خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز يرحمه الله، الداعية إلى سلام بين الفلسطينيِّين والاسرائيلين يحقَّق للفلسطينيِّين دولة لهم معترف بها دوليًّا الى حدود 1967 عاصمتها القدس الشريف وعودة من يرغب من اللاجئين للعودة إلى دياره، أو التعويض للآخرين، والانسحاب من هضبة الجولان السوريّة مقابل اعترافٍ وتطبيع العلاقات بين الدول العربيَّة وإسرائيل. وقد سبق وتمَّ الإعلان عن المبادرة في القمَّة العربيَّة في بيروت مما أكسبها تأييدًا عربيًّا.

الكرة الآن في الملعب الإسرائيلي! وإذا ما كانوا فعلًا يرغبون في اعتراف الدول العربية بدولتهم، عليهم قبول المبادرة العربيَّة وتنفيذ بنودها.. وبهذا، نتبع التوجيه القرآني: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لها).