انطلاقة العام الدراسي 1442هــ (بالتعليم عن بعد) تُعتبر تطوراً دراماتيكياً فرضته الظروف الاستثنائية لجائحة كورونا حيث تقررت الدراسة فيه لمدة سبعة أسابيع ريثما تتضح الصورة بشأن بقية الفصل الدراسي الأول.

وحقيقة فإن المتتبع لخطوات وزارة التعليم منذ انطلاق منصة (مدرستي) والجهود الكبيرة من معالي الوزير د. حمد آل الشيخ الى جميع العاملين تجعلنا نفتخر بتجربة التعليم الافتراضي في بلادنا حيث التنظيم لأبسط الأمور ومنها التأكيد على أداء النشيد الوطني والتمارين وحتى لبس الزي المدرسي والذي أعتبره مهماً لإشعار الطالب بالالتزام والجدية. كما تم وضع مواعيد لطلاب الثانوية والمتوسطة مختلفة عن طلاب المرحلة الابتدائية لحاجتهم لمساعدة أولياء الأمور.

وبالرغم من توفر المنصة وعملها منذ اليوم الأول ولكن دخول ستة ملايين طالب وطالبة سبَّب تعثراً لارتفاع حجم الطلب على الشبكة مما أدى الى تذمر الكثير من أولياء الامور وبالتالي عدم احتساب درجات الغياب والحضور في ذلك الأسبوع.

وحقيقة فإن ارتباط وزارة التعليم بمنظومة ميكروسوفت وبكادر وطني من شبابنا السعودي الطموح في تقنية المعلومات جعلها تعدل تقنيات فنية لجعل المنصة تستوعب دخول هذا العدد الهائل. وقد استطاع الوصول للمنصة حوالي 92 %. ولكن مع ذلك يبقى هناك فاقد تعليمي حيث لم يستفد من ذلك حوالي 8%

من الطلاب وهؤلاء أزعم أنهم مئات الآلاف من طلاب القرى الذين لا تصل إليها شبكات الإنترنت، وكذلك الفقراء الذين لا يملكون ثمن أجهزة اللوح الذكي أو الإنترنت بالرغم من الجهود الكبيرة من الوزارة في توفيرها للبعض.

ولأننا وطن التلاحم والتكاتف فقد أدت مبادرات أمراء المناطق في دعم التعليم عن بعد وبالتكافل مع القطاع الخاص في توفير الآلاف من الأجهزة ومنها مبادرة صاحب السمو الملكي أمير منطقة مكة المكرمة خالد الفيصل (تعلم عن بعد) ودعمها بـ 500 ألف ريال خلال إطلاق ملتقى مكة الثقافي في دورته الخامسة تحت شعار (كيف تكون قدوة في العالم الرقمي؟) والذي حفَّز أيضاً جهات خيرية أخرى لدعم البرنامج ومنها جمعية أم القرى الخيرية حيث أطلقت برنامج (مفاتيح الخير) لتوفير أجهزة لأبناء الأسر الذين ترعاهم.

وبالإضافة إلى منصة مدرستي، هناك 23 قناة فضائية تبث الدروس يومياً للمراحل الدراسية المختلفة بالإضافة الى ثلاث قنوات متخصصة للتربية الفكرية.. ولكن جوهر العملية التعليمية في (منصة مدرستي) يعتمد على دور الطالب وأهمية توفر الدعم النفسي له من الأسرة وتوفير البيئة التي تتوفر فيه الإضاءة والتهوية والانترنت وجهاز حاسب آلى، بل ان ميزة اعادة الدرس على مدار اليوم ثم رفع الدرس على منصة يوتيوب والرجوع اليها في أي وقت آخر هي ميزة لم تتوفر في (التعليم التقليدي) وتعين الطلاب ممن يعانون من صعوبات في التعلم..

كما أن إطلاق الوزارة لمسابقة (مدرستي) الرقمية والتي تستهدف المعلمين والإداريين والطلاب وأولياء الأمور والموضوعات الداعمة لعمليات (التعليم عن بعد) لهو حافز قوي لإنتاج محتويات تعليمية وتربوية قيمة ويكون لها مردود تعليمي كبير. كما أتمني أن تشمل مبادرات في: (التعلم المقلوب Flipped Learning وإنتاج فيديوهات خاصة بالدروس ثم تشجيع الطلاب على المشاهدة والاعتماد على الذات في الفهم ويبقى وقت الحصة للمناقشة وطرح الأفكار الإبداعية، وكذلك تقديم دروس (بإستراتيجية التلعيب) Gamification والتي تعتمد على التعلم عن طريق اللعب، وكذلك دروس بإستراتيجيات التعلم التشاركي الإلكتروني، بالإضافة الى مسابقات للطلاب مثل: الطالب المثالي في العالم الرقمي، فكل ذلك حتماً سيحفز (التعليم عن بعد) بطرق إبداعية. وبهذا سيكون خياراً استراتيجياً ضمن الخطة الدراسية او ما يسمى بالتعليم الهجين لعلاج مشكلات التعليم المزمنة. وبهذه الجهود الجبارة، والتلاحم الوطني، والتعاون الأسري نستطيع أن نقول: إن التعليم عن بعد قد حقق أهدافاً تعليمية كبرى لوطننا الغالي.