في كتابه المهم (النقد الأدبي في القرن الواحد والعشرين)، يظهر الناقد والمنظر الأمريكي الشهير فنسنت ليتش متفائلاً بمآلات النقد والنظرية، وبمستقبل النظرية في عالم ما بعد الحداثة.. وهذا ليس مجرد تكهن، أو تحليل، فهو يعبّر عن هذا التفاؤل في مقدمة الكتاب، ويبرره في عدة أجزاء داخله، ويلخصه كذلك في خاتمة الكتاب التي جعل عنوانها: (مستقبل النظرية).

تضم هذه الخاتمة مجموعة من الأفكار التي تلخّص رأي ليتش حول تطورات النظرية النقدية والدراسات الأدبية في القرن العشرين، ومدى تأثيرها في صياغة واقع النقد في هذا القرن؛ «مستقبل النظرية في التعليم العالي، وخصوصاً في العلوم الإنسانية، يبدو جيداً»، هكذا يعلنها للمتخصصين من الشباب والشابات.

يرى ليتش أن الحاجة للبحث والنشر في التعليم العالي لا تزال مستمرة، بل إنها في تزايد مطرد، ليس على مستوى الجامعات الكبرى وحسب، بل على مستوى المؤسسات التعليمية الأخرى (معاهد، كليات، أندية، مؤسسات تعليم عام...). فمنذ ستينات القرن المنصرم، والنظرية في أمريكا تحديداً تسيطر على الذهنية النقدية، حتى أصبحت نافذة رئيسية تطل على العديد من التخصصات الإنسانية والعلوم الاجتماعية، ومصدراً مهماً لتوفير أفكار وموضوعات جديدة للدراسة، وخلقِ مقاربات واتجاهات بحثية حديثة. (يؤكد ليتش هنا على دور عدد من المناهج والتوجهات الحديثة مثل النظرية الماركسية، وما بعد البنيوية، ونظريات ما بعد الاستعمار مثل النسوية، والجندرية، ودراسات الهوية الأخرى... الخ).

الحركة الداخلية ضمن هذه المناهج والنظريات تمثل توجها مهماً وجديداً يتناسب مع روح العصر، توجهاً تميّزت به النظرية (بوصفها مجالاً معرفياً)، وذلك بالاعتماد على فكرة الدراسات البينية (أبرز ابتكارات المعرفة في هذا القرن)، لتطوير مجال جديد أو خطِّ دراسات مختلف، يجمع بين عدد من هذه التوجهات، وينطلق منها: «اجمع واخلط ثلاثاً من هذه النظريات والتوجهات، لتخلق مجالاً معرفياً جديداً للدراسة والاستقصاء». لاحظوا أن ليتش هنا لا يقول إن الجمع بين عدد من هذه المناهج قد يُنتج موضوعات بحثية جديدة فقط، بل قد يخُرج للنور تخصصاً جديداً، وفرعاً متميزاً داخل النظرية، ولعل هذه النتيجة هي إحدى أبرز التطورات التي ظهرت في مجال الدراسات الأدبية والثقافية، ما أدى إلى تغيّر كبير في أقسام الإنسانيات والدراسات الأدبية بمفهومها التقليدي، وظهور أفكار وفروع مختلفة لم تعهدها هذه الأقسام من قبل.

من النقاط اللافتة التي يشدد عليها ليتش في خاتمته، هو أن النظرية انطلقت من أمريكا لتصبح «عالمية».. ليست الدعوات المنتظمة التي توجهها دول العالم (من مختلف القارات) لكبار المنظرين الغربيين للحديث والتدريس في جامعاتهم ومنظماتهم، ولا الطلب المتزايد على كتبهم وأعمالهم النقدية هما الإشارتان على وجاهة هذا الرأي وحسب، بل -يضيف ليتش- أن دخول عوامل أجنبية كلاسيكية ومعاصرة، (يعني دخول عناصر أخرى لا تنتمي للتقاليد الغربية)، في خضم الدرس النقدي الحديث، والإسهام في صياغة الصورة الحديثة للنظرية هو مؤشر أقوى على أن النظرية أصبحت تنتمي للعالم. وهو دليل قوة وعلامة تدعو للتفاؤل في رأيه: «حالياً النظرية في أمريكا وأوروبا لا تضم التقاليد العربية، والصينية، والهندية، واليابانية، والفارسية... لكنها ستفعل في المستقبل القريب.. أمريكا -على الأرجح- ستكون محطة ظهور جمهورية النظرية العالمية، في مراحلها الأولى».

لكن هل سيعني دخول هذه التقاليد العربية والصينية... (غير الأوروبية) إلى النظرية، وتشكُّل مجال نقدي «عولمي» مسيطر على الدراسات النقدية، سيعني خفوت واضمحلال مفاهيم الهوية الوطنية، والانتماء الإقليمي للمكان؟ ليتش لا يعتقد ذلك، بل إنه يرى أن «عولمة» النظرية، ستعطي نتائج عكسية تماماً.

وماذا عن واقع المجتمعات؟ ومفاهيم السوق الجديدة؟ ومعامل التأثير المختلفة اليوم؟ يجيب ليتش بأن المرحلة الحالية لمجتمع السوق، ورأسمالية الكازينو تحفز التغيّرات النمطية الجديدة (تغيرات الموضة)، وتسرّع عملية التقادم [موضات تأتي وتغيب بطريقة سريعة]، وتزيد عمليات الإثارة المستمرة. لكنه يختم -مطمئناً-: «لا بأس. تبدو النظرية عالقة وسط هذا الخضم من التغيرات (عالية كانت أو منخفضة)...».