أواصل بيان المفهوم الصحيح لمشروعية تعدد الزوجات في الإسلام لتوضيح المفهوم الخاطئ للتعدد لدى معدي منهج الثقافة الإسلامية؛ إذ يدخل ضمن العدل القدرة المالية على الإنفاق، لأنّ من لا تتوفر لديه القدرة المالية لا يقدم على التعدد بالزواج من الأرامل لكفالة أولادهنّ، فقوله تعالى (فانكحوا) أخرج التعدد من الوجوب إلى الإباحة، وفرق كبير بين الوجوب والإباحة، وقوله:(فانكحوا ما طاب لكم)، أي تزوجوا الأرامل أمهات اليتامى عن طيب خاطر من قبلكم، ومن قبلهن.

وللأسف نجد الكثير من المفسّرين القدامى والمعاصرين قد خلطوا بين آية (3)، في سورة النساء وبين آية (127) من السورة ذاتهاَ، (ويستفتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا)، ففسّر الإمام الطبري الآية (3) بقوله: «وقوله: (وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى...) أي: إذا كان تحت حجر أحدكم يتيمة وخاف ألا يعطيها مهر مثلها، فليعدل إلى ما سواها من النساء، فإنهنّ كثير، ولم يضيق الله عليه». انتهى تفسير الإمام الطبري.

مع أنّ الآية الأولى تتحدّث عن أمهات اليتامى، بينما آية (ويستفتونك في النساء) تتحدّث عن يتامى النساء، التي بيّنت السيدة عائشة رضي الله عنها سبب نزولها، بقولها:»هُوَ الرَّجُلُ تَكُونُ عِنْدَهُ الْيَتِيمَةُ هُوَ وَلِيُّهَا وَوَارِثُهَا فَأَشْرَكَتْهُ فِي مَالِهِ حَتَّى فِي الْعَذْقِ فَيَرْغَبُ أَنْ يَنْكِحَهَا وَيَكْرَهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا رَجُلًا فَيَشْرَكُهُ فِي مَالِهِ بِمَا شَرِكَتْهُ فيعضلها فنزلت هذه الآية». [صحيح البخاري كتاب التفسير، تفسير سورة النساء، باب (ويستفتونك في النساء)]

ولستُ أدري كيف أمام كل هذه القيود التي وضعها الخالق للتعدد يقول الإمام الطبري»فليعدل إلى ما سواها من النساء، فإنهنّ كثير، ولم يضيق الله عليه.»؟.

بينما نجد الشيخ محمد رشيد رضا يقول:» فمن تأمل الآيتين علم أنّ إباحة تعدد الزوجات في الإسلام أمر مضيق فيه أشد التضييق كأنّه ضرورة من الضرورات التي تباح لمحتاجها بشرط الثقة بإقامة العدل، والأمن من الجور.

وإذا تأمل المتأمل مع هذا التضييق ما يترتب على التعدد في هذا الزمان من المفاسد جزم بأنّه لا يمكن لأحد أن يربي أمة فشا فيها تعدد الزوجات، فإنّ البيت الذي فيه زوجتان لزوج واحد لا تستقيم له حال، ولا يقوم فيه نظام، بل يتعاون الرجل مع زوجاته على إفساد البيت كأن كل واحد منهم عدو للآخر، ثم يجيء الأولاد بعضهم لبعض عدو، فمفسدة تعدد الزوجات تنتقل من الأفراد إلى البيوت، ومن البيوت إلى الأمة.»

وأقترح وضع هذه الضوابط للتعدد، بحيث لا يتم إلّا بتوفرها، وبإذنٍ من قاضي محكمة الأحوال الشخصية:

1. علم ورضا الزوجة الأولى وأولادها بالزواج الثاني.

2. أن تكون الزوجة الثانية أرملة لها أولاد يتعهد بكفالتهم.

3. أن تكون لديه القدرة المالية على الإنفاق على الزوجتيْن وأولادهما مع تعهده بالقسط بين أولاده وأولاد الزوجة الثانية، وبالعدل بين الزوجتيْن.

4. وأن لا يكون فارق السن كبيرًا بينه وبين الزوجة الثانية.

أمّا اشتراط البعض أن يقدم الزوج ما يُثبت أنّه يريد التعدد لإشباع رغباته، فهذا شرط يتعارض مع سبب التعدّد الذي من أجله أباحه الله لحل مشكلة اجتماعية إنسانية، هي رعاية الأرامل والأيتام، فالمرأة لها رغبات مثل الرجل، فهل يعني هذا أنه يُباح لهن تعدد الأزواج إرضاءً لرغباتهن؟ بالطبع لا، فالإنسان مسؤول عن كبح جماح رغباته ونزواته، ولا يطلق لها العنان كالحيوان؛ لذا أوجد الله حد الزنا لكل من الرجل والمرأة مساويًا بينهما في الحد.

وإن قال البعض إنّ اشتراط القانون وجود مسوغ شرعي حتى يأذن القاضي للمتزوج بالتعدُّد ليس من حق القاضي؛ إذ لا يحق له التدخُّل بأمور خاصة بين الزوجين، أقول لهم: كيف قبلتم تطليق القاضي الزوجة بدون موافقة الزوج، بل وبدون علمه، وبدون علم وموافقة الزوجة في دعاوى التطليق لعدم الكفاءة في النسب، لعادات وأعراف قبلية جاهلية لا تمت للإسلام بصلة؟

كما أُعطيَ للقاضي حق فسخ عقد الزواج إن ثبت له وقوع الضرر على الزوجة لتعليق الزوج، أو هجره، أو لإدمانه، أو لعدم قيامه بواجبات الإنفاق، أو بواجبات المعاشرة الزوجية، فعلامَ الاعتراض على إصدار تشريع يُعطي للقاضي الإذن للمتزوج بالتعدد؟.

والسؤال الذي يطرح نفسه هو: إلى متى سيظل معدو المناهج الدراسية الدينية ناقلين لما يقوله علماء القرون الأولى من مفسرين ومحدّثين وفقهاء بصوابه وخطئه دون تمحيص وتدقيق وتمعُّن وتمييز الصواب من الخطأ والحديث الصحيح من الموضوع، والعصور والمجتمعات التي قيلت فيها، ومجتمعنا والعصر الذي نعيش فيه؟.