* قبل سنوات وفي زيارتي لعاصمة إحدى الدول العربية قرأتُ صدفة مقالاً لــ(أحد المثقفين والإعلاميين هناك)، فيه يصف رحلة حَجِّه؛ حيث كان يسخر فيه من كل مناسك الحجِّ، وخطواته وتفاصيله التي يؤمن بأنها مجرد ممارسات وثنيّة!، وحتى يُكمِل ذلك السيناريو الساخر هاجم «السعودية ومنهجها الديني، وقادتها ورموزها»!!.

* طبعاً لم تفاجئني تلك الانطباعات الساخرة التي رسمها ذلك الرَّجُل لِحَجِّه، -لمعرفتي بتاريخه ومنهجه الفكري-، ولكن ما كان أكثر إيلاماً لي تأكيده بأنه إنما حَجّ غصباً عنه، مجاملة لإصرار (إحدى مؤسساتنا الحكومية) على دعوته تكراراً ومراراً ليكون واحداً ممن يُقدم لهم (الحج مجاناً) على حساب الدولة!.

* ذلك المشهد تذكرته وبعضٌ من المثقفين والإعلاميين والفنانين من ممثلين ومطربين، وكذا مشاهير مواقع التواصل يخرجون اليوم عن النّص، وتأخذهم العِزة بالإثم ليتطاولوا على (بلاد الحرمين الشريفين ومملكة الخير والإنسانية) مُشكِّكين في مواقفها حِيَال بعض القضايا والأحداث؛ وهي التي مِن مُسَلَّمَات سياساتها وثَوابت علاقاتها مع غيرها الدّعَم اللامحدود لأشقائها العرب والمسلمين في شتى المجالات وعلى كافة الصُّعُد؛ وصفحات التاريخ خير شاهد.

* وهنا علينا أن لا نلوم أبداً أولئك المتلونين على تجاوزاتهم أو إساءاتهم لبلادنا؛ فهم مجرد تافهين؛ ولكن الحقّ كله على مَن صنعَ لهم «مكَاناً ومكانة لا يستحقونها»، أقصد أولئك الذي يستضيفونهم بعقود خيالية، ويحضرونهم بطائرات خاصة، ويمنحونهم الهدايا الثمينة، وأعني كذلك تلك الفئة الطيبة من مجتمعنا التي تمنحهم الجماهيرية الطاغية بمتابعة حساباتهم في مواقع التواصل، ونشر وتناقل أعمالهم وأقوالهم ومقاطعهم!.

* وفي هذا الإطار وفي عصر العزم والحزم حَان الوقت لِعدة أمور: أولها أن نتخلى عن طيبتنا الزائدة، وحسن نوايانا بحيث نفرز جيداً كـ»مؤسسات وأفراد» كل مَن نتعامل معه «جهة كان أو شخصاً» لنضعه تحت المجهر العادل لنعرف مرجعيته، وتحولات صوته وكتاباته، وردود أفعاله، وصدق مواقفه تجاه قيادتنا ووطننا وتاريخنا دون أن تخدعنا (ممارسته للتقْيّة) . وثانيها: أن ندرك أن عبارةً مزيفةً من ذلك الفنان أو المثقف أو المشهور ينطق بها قلمه أو لسانه حياءً من استضافات فاخرة، لا تضيف لبلادنا ولا لمجتمعنا شيئاً!.

* وثالث تلك الأمور: اليقين بأن قُوتنا الناعمة سلاحها حضور علمائنا ومثقفينا، واستثمار مختلف أدوات الإعلام ومنصاته في الوصول للآخر بلغته وفي قنواته ليتعرف بنفسه وعبر أعمال إبداعية على تاريخنا العريق وثقافتنا وهويتنا الأصيلة وعطاءاتنا الكبيرة لمختلف الشعوب، فهل نتوقف عن الاحتفاء -دون قصد- بهؤلاء النابحين؟، هذا ما أرجوه.