Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
طارق علي فدعق

هجــــــولة

A A
المقصود هنا هو الحركة المسببة للعناء في الذهاب والإياب المستمر... في هذا الوقت من كل عام ومع تغير الطقس حول العالم، نشهد إحدى الظواهر الموسمية العجيبة التي تستحق وقفة تأمل وهي هجرة ملايين الكائنات في البر، والبحر، والجو. يذهبون خلال الموسم البارد إلى المناطق الدافئة نسبياً في رحلاتهم إلى الجنوب، ثم يعودون خلال الطقس الدافئ إلى المناطق الأكثر برودة بصفة دورية لا تكل ولا تمل سنة بعد الأخرى. وللعلم فبعض أنواع الهجرة رأسية. وعلى سبيل المثال فبعض المخلوقات البحرية الصغيرة تتحرك من سطح البحر إلى الطبقات الأكثر عمقاً، ثم العودة إلى السطح بعد فترة طويلة نسبياً، وبعض الزواحف البرية تهاجر إلى طبقات تحت الأرض. الموضوع يذهلنا لأن جوانبه الإعجازية كثيرة جداً. نبدأ بمرحلة الاستعداد للرحلة، فنجد أن الله عز وجل قد سخر للكائنات التدبير العجيب ليشمل الحمية المرتفعة السعرات والعالية الدسم لتكوين مخزون دهون قد يزيد من وزن الكائن ليصل إلى ثلاثة أمثال وزنه الطبيعي قبل الهجرة. وللعلم فبعض رحلات الهجرة تتكون من مشاوير طويلة جداً تفوق العشرة آلاف كيلومتر بدون توقف. وتتعرض المخلوقات خلالها إلى تغيرات بيئية قاسية ومنها على سبيل المثال البرودة. بعض الطيور تحلق على ارتفاعات تنخفض فيها درجات الحرارة علماً بأن الانخفاض الطبيعي يبلغ حوالي درجة مئوية لكل ألف قدم في الارتفاع، ولكن وجود التيارات الهوائية قد يزيد من ذلك. ومن الهجرات السنوية العجيبة نجد حركة ملايين الفراشات الشهيرة باسم «العاهل» أو»مونارك» التي تتحرك في هذا الوقت من شمال شرق الولايات المتحدة إلى المكسيك جنوباً كل سنة. هذه الفراشة الملكية الجميلة البرتقالية اللون تتحرك ببطء وعزيمة يومياً نحو الأجواء الأكثر دفئاً. ولا يصل ولا عضو واحد من المجموعة الأساسية إلى وجهة السفر، وسبحان الله أن أجيالها تتجدد خلال هذه الرحلة الشاقة. وبمناسبة الحديث عن مشقة الرحلة فلابد من ذكر موضوع صعوبة الملاحة. كيفية إيجاد الطريق من وإلى وجهة السفر يحتاج إلى وقفة تأمل كبيرة. في البحر، والبر، والجو، نجد الإعجاز في معرفة المسار والالتزام به. لا تزال هناك ضبابية حول الأساليب المستخدمة، فحاسة البصر هي المهيمنة منطقياً، وحاسة الشم في الطليعة أيضاً بالذات للملاحة المائية فالمسارات تحت الماء يتم تقنينها من المخلوقات باستشعار المواد الكيميائية المذابة مهما كان تركيزها ضعيفاً، ومهما كانت التيارات قوية... وسبحان الخالق المدبر. وهناك موضوع التيارات الكهرومغناطيسية التي تلعب إحدى أهم الأدوار في الملاحة. تحديد المواقع يعتمد إلى حد كبير على معرفة الموقع المقصود، ولكنه يعتمد أيضاً على معرفة مكان المخلوقات من ذلك الموقع. وعلى سبيل المثال فالطيور المهاجرة نهاراً تستشعر تغير موقع الشمس بمعدل خمسة عشر درجة في الساعة. وتشير الدراسات الإبداعية في مجال هجرة الطيور على وجود آليات وتدابير مذهلة. ومن أشهر تلك الأمثلة الحمام الزاجل الذي استخدم عبر التاريخ لنقل الرسائل بدقة عجيبة باستخدام حواس البصر، والشم، واستشعار الطاقة المغناطيسية. وللعلم فيقدر عدد أنواع الطيور التي تهاجر إلى سماء المملكة سنوياً بحوالي 270 نوعاً.

أمنيـــــــة

يبقى أحد أهم مواضيع الهجرة وهو هجرة الإنسان. في كل عام كانت تتحرك الأعداد الهائلة من البشر من مكان إلى آخر سعياً للرزق، أو هروباً من الظروف القاسية، أو حتى تفادياً لبعض المناطق الجبلية الباردة. أتمنى أن ندرك أن خلال سنة جائحة الكورونا يشهد العالم التحول لأنماط هجرات البشر لتصبح أشبه بالهجولة، في حين أن هجرات المخلوقات الأخرى تستمر بنفس الأنماط، والله المدبر الستير، وهو من وراء القصد.

Nabd
App Store Play Store Huawei Store
X