Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
طارق علي فدعق

كركبــــــــة

A A
معنى الكلمة هي تراكم الأشياء غير محددة النفع، والتي توصف بكلمة «كراكيب». وكلاهما يتصفان بمعدلات نمو هائلة بالذات لبعض الفئات العمرية، ولبعض الوظائف. وقد وجدت للأسف أنني شخصياً أنتمى لإحدى أعلى فئة المكركبين نظراً لكوني قد دخلت فئة الستينات العمرية، ونظراً لأنني عملت في التدريس الجامعي لفترة أكثر من ثلاثين سنة. وعندي معيار يحدد «عتبة» خطورة الكركبة وهو أن يتجاوز وزن الكراكيب وزن الشخص المكركب.. وفي الآونة الأخيرة، ظهرت إحدى المحاور الطريفة الرقمية في هذا الشأن.. أصبحت الكركبة اليوم لا تقتصر على الأوراق والأدوات الكهربائية فحسب، فهي تشمل أيضاً الملفات الرقمية.. فضلاً انظر في ذاكرة هاتفك المحمول وستجد أن نسبة هائلة من الصور ومقاطع الفيديو والملفات الصوتية تلتهم «العقار الرقمي» بدون أي فائدة. وإن أردت أن تتوغل في المزيد من غرائب الموضوع فعليك بالنظر والتأمل فيما هو أعلى، والمقصود هنا هو الفضاء الخارجي.. ذلك الارتفاع الذي يبدأ من مائة كيلومتر فوق سطح البحر. وصل البشر إلى ذلك المستوى في أكتوبر 1957 ووجدوا فيه العديد من الفوائد ومن أهمها الاتصالات، والتصوير، والتنبؤ بالأحوال الجوية، والبحث العلمي، والتجسس. وبالرغم من ارتفاع تكاليف ارسال المركبات المختلفة إلى الفضاء، تسارعت وتيرة استكشاف المجال الخصب. وفي كل رحلة كانت هناك كركبة.. مخلفات من هنا وهناك.. قطع متناثرة تشمل شظايا، وخزانات وقود مستهلكة، وقطع من قشور الطلاء، وقطع معدنية من هوائيات، ومقابض، وبقايا سباكة، وأجزاء من ملبوسات رواد الفضاء، وقطع من كاميرات...وأكثر. ويقدر عدد الكراكيب التي يبلغ حجمها ما يعادل حجم بطاقة الأحوال أكثر من تسعة عشر ألف قطعة. والمشكلة هي أن تلك القطع تحوم حول كوكبنا بسرعات تصل إلى حوالي ثمانية وعشرين ألف كيلومتر في الساعة.. يعني كمية الطاقة بداخل كل منها هائلة حتى لو كان حجمها صغيراً ووزنها خفيفاً. يعني ممكن أن تفوق الطاقة في «كركوبة» بحجم جوال «أبو كشاف» الطاقة الحركية في سيارة «لاند كروزر» تسير بسرعة مائة وستين كيلومتراً في الساعة. وللعلم، فقد تعرضت مجموعة كبيرة من مركبات الفضاء للأضرار بسبب الارتطام بها.. من محطة الفضاء الدولية التي يفوق حجمها ملعب كرة القدم إستاد الجوهرة في جدة، إلى الأقمار الصناعية الصغيرة التي يعادل حجمها حجم حبحبة الخرج. ومما يزيد حجم المشكلة أن بعض الدول وفي مقدمتها الصين والهند أصبحت تتباهى بقدراتها على تدمير الأقمار الصناعية أثناء دورانها حول الأرض كجزء من قوتها العسكرية. طبعاً هذه «الفرتكة» تنتج مئات الآلاف أو ربما الملايين من الكراكيب التي تزيد من التلوث الفضائي. وللعلم، فالقوانين والمعاهدات الدولية في مجال الفضاء لم تعالج هذا الموضوع بالرغم من وجاهة لغتها...مثال الهرج الجميل الفاضي.

وأخيراً، فهناك طرفة لابد من إضافتها وهي تكاثر الكراكيب. وجد العالم الأمريكي «كيسلر» ظاهرة أن نمو كثافة الكراكيب الفضائية تولد احتمالات نمو أعدادها بسبب احتمالات الارتطام. وهذه الظاهرة نجدها في كل مكان سواء كانت في الملفات الورقية أو الرقمية أو الأجهزة القديمة.

أمنيـــــــة

أرى أن ننهي المقال بالعودة إلى سطح الأرض. وتحديداً بذكر الكراكيب السياسية، وخصوصاً في ضوء نهاية الانتخابات الأمريكية، ففضلاً لاحظ عدد الوعود التي ستصبح كراكيبَ بعد قليل. أتمنى أن يقنن العالم مقدار الكركبة بأبعادها المختلفة لأن تكلفتها قد تكون عالية جداً، وقد لا تظهر بطرق مباشرة، ولا يعلم بخفاياها إلا الله،

وهو من وراء القصد.

Nabd
App Store Play Store Huawei Store
X