اهتمام كبير تبديه القيادة السعودية في سبيل تمكين المرأة من كافة الحقوق التي كفلتها لها الشريعة الإسلامية وأقرها الدستور والقوانين، إيماناً بدور المرأة التي هي نصف المجتمع في القيام بدورها المرجو في تحقيق النهضة المجتمعية وقدرتها على المساهمة الإيجابية الفاعلة في إحداث التطور المنشود، وجبراً للضرر ومنعاً للغبن وتنزيلاً لمعاني العدالة، وقبل ذلك كله تنزيلاً لمقاصد الشرع الحنيف الذي صان حقوق جميع أبناء المجتمع ومنع التعدي عليها.

ومنذ تأسيس هذه البلاد فقد ركزت قيادتها على إنصاف النساء وتعليمهن وتمكينهن من منابع العلم والمعرفة، لذلك تم تشييد المدارس والجامعات، وأنفقت الدولة خلال العقود الماضية مبالغ طائلة للاهتمام بزيادة معرفة ووعي المرأة. وقد أولت رؤية المملكة 2030 التي أصبحت بمثابة خارطة طريق في كافة مناحي الحياة، الاقتصادية والسياسية والاجتماعية اهتماماً خاصاً بإزالة العوائق التي ظلت تكبل مسيرة المرأة خلال الفترة الماضية، وتحد من قدرتها على الانطلاق وتحول بينها وبين بلوغ سماوات الإبداع.

ورغم أن المرأة نالت معظم حقوقها، إلا أن هناك عادات سالبة لا زالت تسيطر على ذهنية البعض، مع أنها تتنافى تماماً مع توجهات الدين الإسلامي وتتصادم معها، ومن بينها قضية حرمان النساء من نصيبهن الشرعي في الإرث، رغم أن هناك آيات قرآنية واضحة تحدد نصيب المرأة، الأم والزوجة والأخت والابنة في الميراث الشرعي وتمنع التعدي على تلك الحقوق. لكن لا زال هناك -للأسف الشديد- من يتجرأ على حق المرأة الشرعي في الميراث، تغليباً لعادات مجتمعية وتقاليد عفا عليها الزمن، وطمعاً وجشعاً في حقوق الآخرين.

ولا يقتصر الطمع في ميراث النساء على مجرد منعهن من حقوقهن المادية التي أقرتها الشريعة، بل إن البعض لا يتورع عن عضل أخته ومنعها من الزواج، حتى توقع إقراراً كتابياً بتنازلها عن ذلك الإرث، لذلك جاءت التعديلات القانونية الأخيرة التي شهدتها المملكة خلال الفترة الماضية لتمنع مصادرة حق المرأة في الميراث، حتى ولو لم تطالب به.

ومما يلاحظ على معظم التعديلات القانونية الأخيرة أنها ركزت على إنصاف المرأة وضمان مكتسباتها وإتاحة الفرصة أمامها للعمل في كل المجالات، ورفع الظلم عنها وعدم السماح بمنعها من الزواج أو إجبارها عليه. كما وقفت إلى جانبها في قضايا كثيرة أخرى مرتبطة بالعدة والحضانة والنفقة، والسماح لها برؤية أطفالها ومنحها الحق في الحصول على معاش الضمان الاجتماعي إذا تغيب الأب عنها وعن أبنائها.

المؤسف في الأمر أن من لا يتورعون عن إرغام النساء على التنازل عن نصيبهن في الإرث يستخدمون سلاح المقاطعة الاجتماعية، فما إن ترفع إحداهن دعوى قضائية للحصول على نصيبها، بعد استنفاد الطرق الودية، حتى يقدم من اغتصبوا حقوقها على مقاطعتها ومحاربتها نفسياً ومنعها من زيارتهم، وفي غالب الأحيان ترضخ النساء ويتنازلن عن حقوقهن.

لتعزيز الجانب التوعوي، وتذكير الناس بمقاصد الشرع، وإيضاح الإثم الذي يقع فيه البعض بالتعدي على حق النساء في المواريث، عقدت هيئة حقوق الإنسان خلال الفترة القريبة الماضية حلقة نقاش تحت عنوان «الإرث وحق المرأة الشرعي»، بمشاركة عدد من المختصين الشرعيين والقانونيين لدراسة الحلول التي تمكِّن المرأة من الحصول على حقها في الإرث الشرعي، وضمان الضوابط النظامية التي تصون ذلك الحق.

من أبرز ما توافق عليه حضور الندوة هو التركيز على استغلال العاطفة الدينية الموجودة لدى معظم المواطنين، فنحن مجتمع متدين ولله الحمد، لذلك ركز المجتمعون على الدور الذي يمكن أن يضطلع به خطباء المساجد والأئمة والدعاة لحث المجتمع على أداء الحقوق، وتحذير المعتدين من العقاب الإلهي الذي ينتظرهم في الآخرة نتيجة لتجرُئِهم على مصادرة حقوق النساء واستغلال ضعفهن. كما أجمع المشاركون على أن هذه المخالفة الواضحة للشريعة الإسلامية تتزايد كلما انخفضت معدلات الوعي الديني والمستوى التعليمي.

ربما لا يدرك البعض الآثار السلبية الكثيرة لتلك الممارسات غير الأخلاقية تجاه مصادرة حق المرأة في المواريث الشرعية، لكن معظم المختصين يؤكدون أنها السبب في تزايد الغبن الاجتماعي، وبسببها ارتكبت كثير من الجرائم والتجاوزات القانونية ، إذ لا يستقيم أن ينعم البعض بنصيبه في ميراث والده، بينما يعاني آخرون من الحاجة والفقر، لأن والدته أرغمت على التنازل عن نصيبها في أموال والدها المتوفى، وتمت مصادرة حقوقها، لمجرد أنها أنثى.

نساؤنا وأخواتنا وبناتنا هم أمانة جعلها الله في أعناقنا، وأعطانا حق القوامة عليهن، ليس لأنهن لا يملكن الكفاءة أو المقدرة أو المعرفة، ولكن لأنهن غاليات وعزيزات، وقد كلفنا الله بالسعي وراء مصالحهن، وأمرنا بأداء حقوقهن، فلا بد أن نكون على قدر الأمانة والتكليف، لنستحق شرف القوامة وأمانة التكليف.