هالني بل آلمني ما ذهب إليه الأديب الألماني ستيفين أولمان من أن الأديب الناجح هو الذي يتباعد عن الشخصية، قدر الإمكان! وازدادت دهشتي وغضبي وأنا أقرأ أن أسلوب الكاتب فريد كبصمات أصابع صاحبه، لكن هذا التشبيه مضلل الى حد ما، إذ أن بصمات الأصابع لا تتغير، في حين أن ذلك أمر ممكن، بالنسبة للأسلوب، وأن الكاتب يستطيع أن يغير من أسلوبه، كي يتناسب مع بعض الظروف!

وفي إشكالية علاقة الأسلوب بالشخصية، قرأت لمارسيل بروست أن الأسلوب بالنسبة للكاتب كالألوان بالنسبة للرسام! ليست مهارة حرفية بقدر ما هو رؤية خاصة! ويصف الأديب العالمي شوبنهور الأسلوب، بأنه مظهر خارجي للعقل!

والحق أنني كنت قد رضيت بوصف أسلوبي الذي ارتأته لي الدكتورة رضا خلاف أستاذة الفلسفة وعلم الجمال، خاصة وهي تؤكد أن الأحساس بالجمال كان هو زادي الحقيقي في الكتابة، وأن العمل الفني هو الذي جعلني على هذا النحو جزءا منه! فلما قرأت للأديب العالمي بوفون أن «الأسلوب هو الرجل نفسه» شعرت برضا وارتياح أكثر وأكثر! فأنا لا استطيع تغيير بصمات أصابعي بتغير الظروف، ولا استطيع كذلك، تلوين كلماتي كي تلائم المرحلة، وتلك هي المسألة ولا أقول المشكلة!

لقد علمني أساتذتي الأوائل منذ «الكتاتيب» كتاب الشيخ ابراهيم عزب، حتمية انهيار كل شيء يقوم على الكذب والافتراء! وفي الصحافة والأدب وفي محراب محمد عفيفي مطر، و»كتاب» عبدالوارث الدسوقي» تعلمنا كيف نقشع الضباب، وكيف نواصل مسيرتنا دون انحناءة الرقاب!

و كنت حريصا قبل سفري إلى لندن على الالتقاء بالدكتورة عائشة عبدالرحمن «بنت الشاطئ» زوجة العلامة الراحل الأستاذ أمين الخولي، وأول امرأة عربية تفوز بجائزة الملك فيصل العالمية، فلما عرفت بمسألة سفري، أهدتني نسخة بخط يدها لمقدمة كتابها العظيم «الشخصية الإسلامية»، وفي اليوم الأول لممارسة عملي كصحفي آثرت أن أستعرض ما جاء في المقدمة خاصة وهي تقول: إننا نتحدث عن الشخصية الاسلامية، ولا ندري على التحقيق ما نعني بها، وإن في المجتمعات الإسلامية لأنماط منها متباينة، قد يصل التفاوت بينها الى حد التنافر والتناقض. ومع التسليم بأن كل إنسان منا عالم وحده فليس أحدنا كأخيه الشقيق، إلا أن هذا التمييز ليس بحيث يطمس ملامح شخصية عامة، تنميه الى قومه وأمته.. منا من لا زاد لفكره ووجدانه الا البضاعة الأجنبية التي شب عليها وأدمنها فتصور أنه نجا بشخصيته متحرر من أثقال الماضي وأغلال السلف، لا يدري أنه استقلال موهوم لم تكن له فيه اختيار وقد جهل أصله وتاريخه!

والحاصل أن تربية الريف الأصيل والجميل، علمتنا كذلك كيف نعرف من يسعى لدحرجتنا نحو ما لا يستقيم مع مبادئنا وتربيتنا، فضلا عن أصلنا وتاريخنا، بل إنها عرفتنا، من يخون خبزنا وملحنا، ومن يحاول وضع السم في عقول أجيالنا، وتلك أيضا هي مشكلتنا!

كيف نغير كلامنا، والحروف عندنا طيور، والمعاني زهور، والقيم تفوح بيننا فتملأ الرئة، وتجعلنا نصمد ونصبر في الضيق أو حتى في السعة!

الشجرة التي حملتنا طويلا وكثيرا حتى آخر رمق في حياتها، لما أثقلتها فروعها، آثرت قبل أن تموت أن توصينا بحبنا لبعضنا، والانتصار للحق وللحرية في أي حرب!

هكذا أصبحنا منذ الصغر، أسرى لحرف الحاء.. الحق.. الحرب.. الحرية..الحب.. ومن ثم مضينا في طريقنا، فان تهنا أو تعثرنا أو انبهرنا بأي لون في مسرح الحياة، ينحينا عن قول الحق، شمرنا عن ساقينا خشية أن نبتل أو نغرق!

لقد كان مسرح حياتنا ومازال حافل بالألوان! مكتظ ببريق الشهرة والجمهور.. اللون الأخضر نوار للحق وللنور، واللون الأصفر نذير وتحذير، واللون الأحمر وقوع مخيف في المحظور!


هكذا عشقنا الوضوح مبكرا.. ففي الصباح كانت شمس قريتنا أمل وعمل.. قلم وكتاب.. فأس ومنجل، وكان ليلها منديل ضوء، ولحظات برق، وجهها قنديل وفي وجنتيها حمرة شوق! بيننا وبين جيراننا حبل مودة.. أيام الفرح وأيام الشدة!

ولأنه الوضوح، كنا نغني للقمر، ونشكي له، وكان يقول لنا: ها أنا معكم، أزوركم في الليل، وأرسل لكم الشمس والنهار.. هكذا كان يأتينا مرتين.. فمرة عندما يطل وسط كل دار، ومرة عند انحناءة المحاق في المدار!

بين أعواد الذرة، نشعل «السهاري» أو القنديل، ونغني للقمر والنيل، ولا مانع من أغنية أو بضع سطور أو أبيات شعرية، تختفي معها الأشباح الليلية! ومن الضفة للضفة، نرسي قناة أو نتقاسم «فحلا» هو للألفة، فتفر خفافيش الرجفة!

فإن غاب القمر أو اختنق، خرجنا أفرادا وجماعات وناجينا بنات الجان أن يتركوه «يبان» وطلبنا من بنات الحور، كي يتركوه ينور، وناشدنا بنات الجنة، أن دعوه «يتهنى»! تلك باختصار حكايتنا مع الوضوح ومع النور!