الساقية أو السقَّاية سميت بهذه الاسم لأنها كانت تروي الحقول المجاورة، أو العقلة كما كان يسميها كبار القرية لأنها كانت تعقل بجانبها الدواب لشرب الماء أو ساقية Lavoir أو الأفوار ربما نسبة لفورة المياه في الفترة الاستعمارية، أو اسم مؤسسها، أو حواسي سيدي بوجنان، أي الآبار.. لهذه الساقية أو عين الماء قصة كبيرة لها علاقة بالتاريخ الجزائري الفرنسي من خلال شخصيتين صنعتا تاريخ البلدين.. كانت في البداية سلسلة من الآبار ماؤها يتدفق إلى خارج الأرض.. الناس يشربون منها منذ زمن طويل.. تاريخ وجودها الأول مرتبط بأسطورة الولي الصالح سيدي بوجنان الذي عندما قذفت به الأقدار من بلاد الأندلس مسقط رأس أهله الأوائل، إلى ذلك المكان الخالي، لاحظ غياب الماء وعطش الناس، فكان تجلي إحدى كراماته، إذ غرس حريشه، أي فرع الشجرة الذي يُبحث به عن مكمن الماء، ثم قال لأتباعه ابتعدوا، فنبع الماء بقوة وفورة، فأصبحت المنطقة كلها خضراء.. لهذا لُقب سيدي أحمد التفّالي بسيدي بوجنان، أي صاحب الجناين، والكرامات الخضراء من نباتات وأشجار.. وبدأ الناس يرتادون المكان لجلب الماء بينما بنى سيدي بوجنان مقامه بجوار عيون الماء.

من الناحية التاريخية، كانت السقاية واحدة من أهم نقاط الماء بالنسبة لجيش الأمير عبدالقادر إبان مقاومة القرن التاسع عشر.. حتى عندما أدار معركة سيدي إبراهيم، كانت السقاية نقطة رجوعه قبل تحضير أي هجوم، بالخصوص بعدما أخذ الجيش الفرنسي سيدي إبراهيم وعينه المائية، قبل أن يضطر الأمير للاتجاه نحو المغرب، ويغادره بعد اتفاقية طنجة بين المغرب وفرنسا، التي جرّمت الأمير.. كان الضابط الفرنسي العقيد باتريس ماكماهون وجيشه المكون من الزواف وفرقة الخط التاسعة يحرسون سقاية سيدي بوجنان، أيام موقعة سيدي إبراهيم، حتى لا يهرب الأمير باتجاهها هو وخيالته ودائرته.. الغريب في باتريس مكماهون، المرابط في سقاية سيدي بوجنان أن تاريخه الشخصي مرتبط بهذه السقاية، شارك في حصار قسنطينة في سنة 1837 قبل أن يرابط في غرب البلاد مطاردًا الأمير عبدالقادر وجيشه، مانعًا إياه من التزود بالماء.. بعد ذلك عيّن حاكمًا للجزائر ثم رئيسًا لفرنسا في 4 ماي 1873، بعد أن أخمد ثورة الأمير.. تم بناء السقاية لتتخذ صورتها شبه الحالية (الصورة) في سنة 1905 لمصلحة الجيش الفرنسي.. كان الناس يشربون منها ويسقون حقولهم التي تنتشر في مخرج القرية، على يمين طريق الغزوات التي نشفت اليوم وأكلتها البنايات والعمران الفوضوي.. كانت سقاية سيدي بوجنان ملتقى الجميع.. عابر السبيل يتوضأ فيها ويشرب، ويملأ زاده من الماء.. القرية التي تكونت حول الولي الصالح سيدي بوجنان أيضًا.. يأتون بالدواب المحملة بخوابي طينية تسمى البوش والقلة، يملؤونها قبل أن تُعوض هذه الأخيرة بالبراميل البلاسكية ذات الروائح البائسة.. النساء يغسلن الألبسة والحبوب هناك.. مشهد جميل وهن يمارسن رقصة غسل القمح في إناء واسع هو نصف برميل حديدي يسمّى البتِّية، يدخلن فيه بعد أن يضعن داخله الماء والقمح ويبدأن فرك الحبوب بأرجلهن رافعات قليلا ألبستهن التي تبرز جزءًا علويًا من أرجلهن البيضاء الجميلة..

هناك شفرة code قروية غريبة اتفق عليها الجميع ربما تلقائيًا: الأطفال يلعبون بالماء والنساء يغسلن الألبسة والحبوب والكبار يعبرون من هناك بدون توقف، يمسحون بنظراتهم وجوه النساء الموجودات على الأطراف، في السقاية، يختارون من هناك زوجات المستقبل.. فيخبر الشاب أمه عن مواصفات المرأة التي رآها في السقاية لتبدأ بعدها مرحلة السؤال والبحث عن صاحبة الحظ، تنتهي العملية بخطوبة ثم زواج.

للسقاية وظيفة ليلية إذ يرتادها الفلاحون الذين يعودون ليلا من الحقول، قبل الذهاب إلى بيوتهم يوردون دوابهم، ويعومون عراة فيها في الظلمة وأحيانًا تحت ضوء القمر ثم ينزلون نحو بيوتهم في نظافة كاملة.. كان ماء السقاية دافئًا ليلاً وباردًا في النهار لأنه نابع من واد تحت الأرض.. يسيل ليلا نهارًا.. وفي فترة السبعينيات عندما أدخلت الكهرباء إلى البيوت والماء، بدأت السقاية تفقد كل هذه الوظائف الاجتماعية وتموت شيئًا فشيئًا حتى كادت تنتفي.. لم يعد أحد يذهب نحوها.. الشباب لا يعرفون أي شيء عن تاريخها.. ولولا حركة بعض شبان القرية من الواعين والمثقفين ورغبتهم في الحفاظ على تراث هو علامة القرية التاريخية، لاندثرت تحت الطمي بعد أن حوطتها السكنات، وأصبحت مركزًا للنفايات والتصق بحائطها كشك اسمنتي بائس لبيع الدخان، وتوقف واديها الذي كان يروي الحقول عن الجريان.. قامت البلدية بمبادرة ترميمها وتأهيلها واصبحت تسيل ماء، وتم إحياء سقاية سيدي بوجنان من جديد.. لكن للأسف، في غياب الوعي الكلي عادت إلى الموت البطيء.. مرت عبر هذه السقاية وجوه كثيرة، ربما كان أهمها الأمير عبدالقادر رائد حركة المقاومة، وباتريس مكماهون الذي أصبح رئيسًا لفرنسًا.. بقي في المنطقة حتى 1855، حيث أصبح جنرالا بسبب حربه ضد الأمير.. ثم انتخب رئيسًا للجمهورية بعد سقوط أدولف تييرس، في 24 مايو 1873 توفي باتريس ماكماهون في 17 أكتوبر 1893 في شاطو دولا فوري، بعد أن بدأ في كتابة مذكراته.. دفن في 22 أكتوبر في مقبرة العظماء الفرنسية، في ليزانفاليد.