* في وقت تحقق التقنية المزيد من التطور المتسارع في حياة الإنسان، فإن ذلك التطور الناتج عن ذلك التسارع يأتي على حساب جوانب أخرى من حياته، فهو معها (مغلوب) على أمره شاء أم أبى؛ فما أحدثته تلك التقنية في حياته من خلل لا يمكن له معه أن يعالج ذلك الخلل إلا من خلال رغبته، وإصراره على العودة إلى (قِيم) ما قبل ثورة قنوات التواصل.

* فمن أهم ما أحدثته قنوات التواصل في حياة الإنسان، أنها أحدثت في شخصية البعض (انفصامًا) واضحًا من خلال حضوره في تلك القنوات بشخصية خاصة بها، بينما يعيش على الواقع بشخصية أخرى تمثل واقعه الحقيقي، الذي يكشف معدنه، ويقدم صورته (بدون رتوش).

* فكم من الذي يحضرون اليوم من خلال قنوات التواصل بشخصية (الواعظ)، الذي لا يترك صباحاً ولا مساءً إلا ويرسل من الأدعية، والمواعظ ما تقدمه بصورة (الزاهد) في الحياة، النقي الذي يعتقد من يقرأ منشوراته أنه الشخص الذي لا يمكن أن يقف إلا في مواقف البر، والإحسان، والبذل، والعطاء، وكل (جميل) من الأقوال والأفعال، ثم عندما (يُختبر) عملياً فيما كان يدعو، ويكثر من الوعظ فيه، تجده شخصًا آخر ليس فيه من كل ذلك الجمال نصيب.

* عندها لا تتفاجأ عزيزي القارئ، فالكثير من الناس اليوم (تتلبسه) شخصيتان لا علاقة لواحدة منهما بالأخرى، بل كل واحدة تناقض الثانية، بدليل أن ذلك المجتمع (الملائكي) في قنوات التواصل لا تجده في الواقع، بل إن الأمور في المجمل تتراجع، والبعض يتطور نعم، ولكن للأسوأ، فكم من (قروب) وضع للتواصل، فانتهى إلى (القطيعة)، وكم من حاضر برداء (المصلح الاجتماعي)، وعندما تجلس مع ذوي رحمه، تصدم أنه (قاطع) لا صلة له، ولا تواصل!.

* هذا إلى ما يلاحظ اليوم من سعي الناس إلى (نشر) أخطاء الآخرين، وسعيهم (المريض) خلف تصوير، ونشر كل (سيئة)، في ثوانٍ يصل مقطعها القاصي والداني، وكأن من أرسلها، وأسهم في انتشارها، وتداولها في مأمن مما يخبئه له القدر، حتى مع كونه يدرك في قرارة نفسه، أن ما لديه من أخطاء أعظم مما ساهم في نشره من مقاطع تسيء للآخرين، ولكن الله ستره، دون أن يتوقف للحظة واحدة عند حقيقة: أنه ليس في مأمن من أن يكشف الله ستره.

* فماذا بقي عزيزي القارئ غير أن يقوم كل منا بدوره، وأن يجتهد كل منا في أن يستعيد ما اختطفته منه قنوات التواصل، وأن نحرص على أن (نُميت) الباطل في مهده، وليكن ذلك المقطع (الفضيحة) الذي وصلك آخر عهد له بقنوات التواصل، فأمِتْهُ عندك، ولا تستهنْ بدورك، أما ما أشرت إليه مما قد تراه من انفصام في شخصيات البعض، فخير ما يمكن أن تفعله أن تتعامل معهم من خلال واقعهم الحقيقي لا الافتراضي، وأن تنزلهم منزلتهم، وإياك أن تعطيهم أكبر من حجمهم، وتذكر أنك معني بإصلاح نفسك، وتحريرها من قبضة مساوئ قنوات التواصل، وأن تبدأ من اللحظة في فك رهنك منها، وتذكر أنك اليوم، وإن اعتقدت أنك في موقف: (بكيفي وسأعمل ما يحلو لي)، فإنك غدًا لما كسبت رهين، وعلمي وسلامتكم.