احتلت قضية اللوحات السبع لبيكاسو التي اكتشفت في الجزائر في منطقة تيارت، في مدريسا المشهد الثقافي الجزائري والعربي.. ليس الاكتشاف هو الأهم ولكن غياب أي أثر لهذه اللوحات منذ 11 سنة، أي منذ اكتشافها لأول مرة.. من غير الطبيعي أن تقدم هذه اللوحات لاختبار صحتها لمخبر المتحف الوطني للفنون الجميلة ويغيب بعدها نهائيًا الحديث عنها؟ أين ذهبت؟ وتحملت مسؤولية إثارتها من جديد بحثًا عن الحقيقة فقط، وفقط، لأن ذلك يستحق، وإذا ثبتت سرقتها فذلك يعني جريمة نهب التراث الوطني وتحويله إلى سلعة.. وفنًا كبير بحجم بيكاسو الذي أقام بالفعل في تلك المنطقة بين 1943-1944 هربًا من الغيستابو والنازية ليس أمرًا هينًا.

المحبة والتقدير لكل من شغلته قضية لوحات بيكاسو التي غابت عن المشهد فجأة بعد أن تم العثور عليها في بيت بيكاسو أثناء حفر بئر (Le temps 09-11-2009) الشكر موصول لسكان مدريسا التي تعتبر واحدًا من أواخر القرى الاستعمارية، الذين تفاعلوا معي بشكل كبير، وغير متوقع، بمدي بالوثائق التي لم أحلم أبدًا، والصور، والأرشيف المصاحب للقضية.. مما جعلني أكتشف في خضم هذا النقاش، طاقات ثقافية جبارة قضيت برفقتها، ومازلت، وقتًا ثقافيًا جميلاً وثمينًا، ولساعات طويلة، لمعرفة ما حدث بالضبط، رجال قانون من مدريسا، فنانون، كتاب، طلبة، ناس عاديون، وكلهم تحركوا غيرة على منطقتهم الزاخرة بالمعالم الكبيرة التي تستحق، ويستحقون، الاحترام والتقدير.. لا أعرف حقيقة كيف أشكرهم.

مثل الجميع، لا أعرف حتى الآن مآل لوحات بيكاسو السبع.. الذي عثر عليها شاب من القرية، بالصدفة وهو يحفر بئرًا للماء، أكد لي أنه بمجرد العثور عليها، سلمها لمديرية الثقافة بتيارت، بحضور الدرك الوطني.. بعدها لا أحد يعرف ماذا جرى.. يمكن أن يسمى هذا في العرف الشعبي بلعنة بيكاسو لأن قضيته تسببت في مشكلات كثيرة لبعضهم، حتى سجن الشاب باتهامه التستر على ميراث إنساني كبير، مع أنه بحسب روايته والصور أيضًا، سلمها للجهات المعنية.

بيت بيكاسو ظل مغلقًا زمنًا طويلاً، قبل أن تمنحه البلدية (بحسب تصريحات الكثيرين من سكان مدريسا) لشخص لا علاقة له بالفن، يعمل في أشغال الطرقات، فسكنه مؤقتًا ثم أصبح ملكه في إطار قانون التخلي عن أملاك الدولة، ثم باعه هذا الأخير لخواص مع أنه كان يفترض التريث لأنه ليس ملكًا عاديًا للدولة.. منذ ذلك التاريخ تنقل السكن من يد إلى أخرى، قبل أن تتحول حديقته أو فضاءه الخارجي إلى بناية اسمنتية ولا يبقى من ذلك إلا الجزء الخاص من بيت بيكاسو؟ أو بيت صديقه المعمر أنطونيو دييغو غوميز (في بعض الروايات) الذي استقبله في تلك الظروف الصعبة.

في الجهة التي تم تعميرها فتحت في الحائط الخارجي أبواب محلات؟ الصور التي زودني بها بعض أصدقاء مدريسا محزنة عن مآل هذا البيت (من الناحية القانونية هو ملكية لخواص، كما صرح لي صاحب البيت، والقانون يمنحه الحق في تحويل البيت ما دام لا يوجد قرار دولة بتحويله إلى مكان أثري) لكن الصرخة الكبيرة التي تخرج من القلب: أين البلدية؟ أين الولاية؟ أين مديرية الثقافة لولاية تيارت؟ أين وزارة الثقافة وأجهزتها المختلفة للبحث عن الحقيقة؟ اللهم إلا إذا كانوا كلهم يؤمنون أن بيكاسو لم يكن فنانًا؟ ذائقة بيكاسو في الأرضية والجدران كانت رفيعة ومرهفة.. يفضل دائما ما هو طبيعي، مثلا الباركي الخشبي بدل الرخام، الانفتاح على الحديقة بدل الغلق، السماء بدل الأسقف الحانية والخضرة بدل التراب والغبار.. ماذا بقي من الحديقة التي يبدو أن كل التماثيل التي كانت فيها، نهبت أو كسرت كليًا.. كانت بيوته التي سكنها كلها تحمل عطره.. فهمت من بعض المحاورين وأعتذر عن حفظ الأسماء احترامًا وتقديرًا لمن منحني ثقته وما استطاع من محبة، أن بيكاسو أقام مع دورا مار في بيت صديقه دييغو غوميز، في مدريسا، بدءًا من 1938.. في هذا أنا قطعي، فهي فترة انتشائه ومعارضه الكثيرة في باريس، على يقين أن السنة الأكثر احتمالا لزيارة بيكاسو لمدريسا هي 1943-1944 بعد أن ضُمَّت النازية أعماله للفن المنحط، مقابل الفن البطولي العالي القيمة كما حدد هتلر في كتابه: كفاحي.. هي الفترة التي منع فيها كليًا من عرض لوحاته في باريس كلها، في فترة حكومة فيشي العميلة.. وحوصر كليًا لدرجة أنه لم يجد المواد لإنجاز منحوتاته.. منحوتة «رأس الثور» صنعها من كرسي ومقود دراجة هوائية.. لدرجة أن حركته انحصرت في 1942، بين مطعم كتلان ومرسمه، خوفًا من الاغتيال أو الاختطاف.. ساعده الكثير من الأصدقاء ومنهم مجموعة الإسبان من الهاربين من بطش فرانكو، والشاعر كوكتو، والكاتب الفرانكوفيلي والمحب للآداب والفنون، إيرنست يونغر المنخرط في الجيش النازي الذي زار بيكاسو في بيته آخر مرة في باريس، ولا أحد يعرف ما دار بينهما، لكن أغلب الظن يكون قد نصحه بالمغادرة، وهو ما فعله لاحقًا ليأتي إلى الجزائر العاصمة ويعمل في محل تصوير في شارع سعدي كارنو (بحسب صحيفة الوطن) قبل أن يسافر إلى «مكان آخر الدنيا» كما كانت تسمى، عند صديقه المعمر غوميز في مدريسا في نهايات 1943 وبداية سنة 1944.. ويكون قد رسم كل لوحاته في تلك الفترة إذا ثبتت أصالتها.. طبيعي أن يخفيها خوفًا من اكتشاف أثرة من طرف النازية وعملائها.