(My Mother›s Wound).. جُرح أمي.. هذا هو عنوان الفيلم التركي الذي يتحدث عنه هذا المقال.. وهل هناك طريقة أفضل (وأوجعُ) لوصف قصة الفيلم من عنوانٍ مثل هذا؟؟ أشك في ذلك.. الفيلم ليس جديداً بطبيعة الحال، فقد ظهر في العام 2016م، بإخراج مميز من المخرج التركي أوزان إشيكتان، وبطولة كل من الممثل العالمي أوزان جوفين، والجميلة مريم أوزيرلي (بطلة المسلسل الشهير حريم السلطان)، وبورا عكّاس، الذي يؤدي دور اليتيم البطل في قصة الفيلم.

تدور أحداث الفيلم في البوسنة، في مرحلة ما بعد الحرب الكارثية في النصف الأول من تسعينيات القرن المنصرم.. تمثل هذه الحرب بقعة سوداء في تاريخ البشرية، جريمةً إنسانية تخجل منها الإنسانية، وتتبرأ منها كل قيمها.. تُعد هذه الحرب التي اندلعت بين الصرب ومسلمي البوسنة والهرسك أسوأ حروب الإبادة في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية. (هل تفكرون في سوريا الآن..؟؟!! يا لهذا الجرح النازف!!). عدد المجازر المكتشفة مرعب لا يصدّق، أكثر من مليوني نسمة فُقدوا وهجّروا خلال الحرب، أعني حرب البوسنة، مئات الألوف ذبحوا، ثمانون في المائة من تعداد مسلمي البوسنة اختفوا في أقل من سنتين، ووفقاً لبعض التقديرات، فإن قرابةَ خمسين ألف امرأة اغتُصبت في هذه الحرب.. الاغتصاب كان واحداً من أشهر علامات هذه الحرب البشعة، فاق قدرةَ الإنسان على العدد، وسلطةَ الندوبِ على الجسد.. عددُ اليتامى الذين خلفتهم هذه الحرب لا يزال لغزاً لم يفهمه التاريخ.. ولا يتيمُ هذا الفيلم!!

صالح.. (بطل الفيلم الشاب) كان يتيماً يعيش في ملجأ أيتام، يقرر بعد أن تجاوز العمر المحدد أن يبحث عن أمه البوسنية.. هذه الرحلة تجسّد التراجيديا كما يجب (أعني تراجيديا العمل الفني، والواقع المر).. في رحلته يكتشف أنه ابنُ مغتصِبٍ صربي، وأن أباه لا يزال حياً.. فيقرر أن ينتقمَ لأمه.. (ينتقم لأمَهِ من أبيه.. يا لَمرارة القدر..!!). يتنقّل بين المدن هائماً، بيده قائمة تحمل أسماء المشتبه بهم، حتى يصل في النهاية لمزرعة صغيرة لرجل وامرأة لا ينجبان (مريم وأوزان جوفين)، يعمل لديهما، يتعلق بهما ويتعلقان به، فيقرران أن يتبنياه ابناً لهما.. يعيش صالح في صراع نفسي مرير، حتى يكتشف أن صاحب المزرعة ليس أباه، مغتصبَ أمه.. فيفرح، ويبتهج، ويقرر أن ينسى الماضي، ويعيش حاضره... ليصبح ثالثَ أفراد العائلة.. لكنّ الأيام تخفي ما تخفي.. من يأمن الأيام.. هذه الأيام!!

يعكس الفيلم أشياء كثيرة غير هذه المأساة الإنسانية السوداء، فهناك الطبيعة الخلابة لذلك الجزء الجميل من العالم، تشعر أن الكاميرا تسأل -بصوتٍ لا يخلو من تقريع-: هل استحق ابن آدم هذه الجنة يوماً؟؟

هناك الموسيقى كذلك.. كانت موسيقى الفيلم عاملاً من عوامل قوته؛ تجمع سحر الغرب والشرق، دفء هذا، وصقيع ذاك.. أعتقد أن الموسيقى الخفيفة والرشيقة كانت ضربةَ معلم من صانعي الفيلم.. (في أحد أهم المشاهد وأجملها: ينظّم الأبوان حفل عيد ميلاد لصالح؛ ابنهما بالتبني، تاريخُ الميلاد غير دقيق، فهو لقيط.. وأثناء الاحتفال، يقرر أن يعزف على بوقه لأول مرة، فيدهش الجميع، ويدهش أمه وأباه.. ويبدأ الرقص الصاخب). الفيلم قصةُ حزن لا تنتهي، لكنّ الموسيقى تقول غير ذلك.. الفيلمُ تاريخٌ لا شيء فيه غير الموت، أما موسيقاه فهي مزمار الهندي.. وثعبانهُ الحياة.. (كيف أصبحت البوسنة جزءاً من ذاكرتنا المحلية، وعضواً بعيداً يؤلمنا وينتمي لجسدنا..؟؟ سؤالٌ مجازي فقط... وكيف أصبحت أفغانستان قبل ذلك، وباكستان.. والشيشان..؟؟ أسئلة مجازية أيضاً).

الفيلم يأخذنا لرحلة حلوة من نوع خاص، يذكّرنا بعدد الكلمات العربية في اللغة التركية، فنسمع باستمرار: تمام، شكراً، السلام عليكم، ممنون... وغيرها من تشكيلة البقلاوة العربية.. يقدّر اللغويون أن في التركية أكثرَ من ستة آلاف كلمة من أصول عربية، الفضلُ طبعاً للإسلام... ولعوامل أخرى.

فيلم (جرح أمي)، صراع بين أجيال، واستفزاز مُر للذاكرة: ذاكرةِ الآباء والأجداد الذين لا يستطيعون أن ينسوا جروح الأمس وويلاتِ الحرب التي اقترفها الإخوةُ والجيران بحق بعضهم.. وذاكرة اليتامى الذين لا يعرفون إلا اليوم، ولا يحلمون إلا بالغد، بعد أن لطخت الكراهية أمسهم بالظلمة والحزن.. إهداءُ الفيلم الذي يرد في نهايته يلخص الحكاية:

«إلى كل الفتيان.. الذين رفضوا التضحية بمستقبلٍ سعيد من أجل ماضٍ تعيس».