معني العنوان هو تكوين حالة فوضى، وعرقلة مسيرة الأمور في وضعها الطبيعي. والمقال عن روائع الزجاج. بعض المواد تذهلنا بأسرارها لأننا نعتقد أننا نعرفها، ولكنها في الواقع غامضة جداً. وعلى رأس تلك المواد نجد الزجاج. بالرغم أنها من المواد التاريخية التي تعود تقنيات تصنيعها إلى عصر الفراعنة، إلا أننا لا نستوعب تركيبة تلك النعمة الرائعة. معظمنا يعلم أنها في الغالب تصنع من الرمال.. وأنها نتيجة التسخين الشديد لدرجة الانصهار لخلطات مختلفة من رمال مختلفة الشكل، واللون، والملمس.. ويتم تشكيل تلك القوالب التي نرغبها سواء كانت على شكل ألواح، أو قوارير، أو غيرها.. ثم يأتي التبريد السريع جداً لتنتج النعمة الجميلة الشفافة بأحجامها وأشكالها وألوانها المختلفة من النظارات الطبية إلى المرايات، والنوافذ، ومن أوعية الأدوية، إلى الكاسات، ومن التلفزيونات إلى السيارات. من شبه المستحيلات أن تجد أي مكان يخلو من الزجاج بأشكاله وأنواعه المختلفة. وفي السنوات العشر الأخيرة هيمن هذا المنتج الرائع على حياتنا من خلال تطبيقات جديدة تشمل شاشات الهواتف المحمولة، والألواح الإلكترونية. ولكن هناك أيضاً «الزجاج المعدني» وهو يختلف تماماً عن الزجاج الذي تعوَّدنا عليه، فمزاياه الأساسية بعيدة كل البعد عن الشفافية، فهي تتمتع بخصائص القوة الرهيبة وسهولة التشكيل.. وهي من أكثر المواد التي نستخدمها لأنها أصبحت واسعة الانتشار في الجوالات. والطريف هنا أن آلية التصنيع المذكورة أعلاه والتي تتلخص في انصهار الخلطات المختلفة ثم تبريدها السريع جداً تصف حالة «قروشة» لذرات المادة المنصهرة لكي لا ترتب نفسها في القوالب البلورية الطبيعية، وهذا من عجائب الزجاج.

وبين كل حين وآخر، نسمع عن قصص نجاح جميلة تستحق وقفة إعجاب. وإحداها كانت في مدينة بيروت العزيزة بعد الانفجار الكارثي في 4 أغسطس 2020 الذي راح ضحيته أكثر من مائتي قتيل، وستة آلاف جريح، وثلاثمائة ألف مشرد، وما يزيد على الخمسين ألف مليون ريال من الأضرار. وبيروت من المدن التي ترفض الاستسلام للإرهاب والسفاهات السياسية مهما كان مصدرها قوياً. وبعد الانفجار، تناثرت أطنان الزجاج المكسور على شوارع المدينة بطريقة تفوق الوصف، وتقدر بما يعادل وزن طائرتي إيرباص 320. قام مجموعة من الشباب المتطوعين وفي مقدمتهم «زياد» بتنظيم عملية جمع الحطام الزجاجي لإعادة تدويره فأصبحت منتجات «زجاج بيروت» من السلع التي لاقت رواجاً كبيراً من الناس ليس فقط لأن أسعارها معقولة، ولكن لأنها تجسد أيضاً مبدأ الاستدامة في أحد أقوى أدواره وهو تحويل المحنة إلى منحة بذكاء، ووطنية، ومثابرة.

أمنيــــــــــة

طرائف الزجاج كثيرة ومنها أنه يعتمد على «قروَشة» الذرات.. ولكن من جانب آخر، هو من مؤشرات الحياة ومن أفضل الأمثلة نجدها في المنشآت العمرانية.. تركيبه على المباني يعلن استعدادها للترحيب بالمستخدمين، وأما إزالته أو سقوطه فهو عادة يمثل نهاية عمرها. أتمنى أن نفلح في إعادة تدوير الزجاج بشكل أفضل لأنه من مؤشرات الجدية في التعامل مع الاستدامة في العمران، وفي كل ما يسر لنا الله من نعم، وهو من وراء القصد.