القراءة جعلتني أحب الشعر حبًا جمًا حتى إنني خصصت دفترًا أسجل فيه أجمل ما قرأت من الشعر، إلا أنه ضاع مني، فحزنت عليه حزنًا شديدًا كأني فقدت عزيزًا على نفسي.

وفي مكتبتي المنزلية مجموعة دواوين لكبار الشعراء ابتداءً من شعراء العصر الجاهلي حتى بعض الشعراء المعاصرين الذين ألجأ إليهم بقراءة قصائدهم في مختلف فنون الشعر، فأشعر بارتياح بالغ لفصاحة الشاعر ولغته، وصوره الشعرية الجميلة، واستمتع بها إلى حد أني أنسى آلامي التي لا تفارقني ليلا أو نهارًا.

بعض الأحيان ألج مكتبتي المنزلية بحثًا عن بعض القصائد أو بعض الدواوين لعلها تنتشلني من هذا العالم الذي غدت مصائبه وكوارثه هي السائدة في نشرات الأخبار العالمية.

وأود اليوم أن أتحف عشاق الكلمة المجنحة المحلقة في فضاء الشعر بمختارات من أجمل قصائدهم..

قال الشاعر المخضرم الذي عاش بين الدولتين الأموية والعباسية في قصيدة تعبر عن حبه الشديد لبناته حيث شبه بناته الصغيرات بأفراخ القطا:

أنزلني الدّهرُ على حُكْمِه

من شامخٍ عالٍ إلى خَفْضِ

وغالني الدّهرُ بوَفْرِ الغِنى

فليس لي مالٌ سوى عِرْضي

أبكانيَ الدّهرُ، ويا طالما

أضحكني الدهرُ بما يُرْضي

لولا بُنيّاتٌ كزُغْبِ القَطا

رُدِدْنَ من بعضٍ إلى بعضِ

لكان لي مُضْطَرَبٌ واسعٌ

في الأرض ذاتِ الطول والعَرْضِ

وإنّما أولادُنا بيننا

أكبادُنا تمشي على الأرضِ

لو هَبّتِ الريحُ على بعضهم

لامتنعتْ عيني من الغَمْضِ

كلما قرأت هذه الأبيات من قصيدة الشاعر حطان ابن المعلى أشعر

أنه يعبر بعمق شديد عن أحاسيس الآباء والأمهات تجاه أولادهم وبناتهم على مر العصور.

ومن الشعراء الذين أحببت شعرهم الشاعر مالك بن الريب الذي كان لصًا يقطع الطريق، فقد سأله سعيد بن عثمان بن عفان والي فراسان عن سبب قطعه للطريق، قال إن السبب هو الرغبة في الانتصار للفقراء، إلا أنه تاب واشترك في الفتوحات الإسلامية..

ومن أجمل قصائده تلك التي رثى فيها نفسه حين أحس بقرب منيته حيث قال:

تقول ابنتيْ لمّا رأت طولَ رحلتي

سِفارُكَ هذا تاركي لا أبًا ليا

تذكّرتُ مَنْ يبكي عليَّ فلم أجدْ

سوى السيفِ والرمح الرُّدينيِّ باكيا

ولمّا تراءتْ عند مَروٍ منيتي

وحلَّ بها جسمي، وحانتْ وفاتيا

أقول لأصحابي ارفعوني فإنّه

يَقَرُّ بعينيْ أنْ (سُهَيْلٌ) بَدا لِيا

فيا صاحبَيْ رحلي دنا الموتُ فانزِلا

برابيةٍ إنّي مقيمٌ لياليا

وخُطَّا بأطراف الأسنّة مضجَعي

ورُدّا على عينيَّ فَضْلَ رِدائيا

اني أجد في الشعر متعة فنية لا حد لها، ومن سوء حظي أني لا أجيد حفظه، وهو الأمر الذي يدعوني لدخول مكتبتي المنزلية للبحث عن دواوين الشعر..

إلى اللقاء في قراءات أخرى لأحلى الكلام.