على بعد كيلومتر ونصف من منطقة البلد، يقف عشاق المنتجات الشعبية على عتبة أحد أشهر وأهم أسواق مدينة جدة المعروف باللغة الدارجة بين أهالي العروس بـ(سوق اليمنى)، هذا السوق الرابض وسط أحياء جدة العتيقة والتراثية، يعد وجهة تهوي إليها أفئدة الباحثين عن منتجات تراثية، والتي تمتاز بالجودة والسعر المناسب للجميع.

لا يحتاج الراغب بزيارة السوق للبحث عن مكانه أو منتجاته في محرك البحث العالمي «قوقل» على الشبكة العنكبوتية، فذاكرة كل جداوي تحتفظ بمكانه ومكانته وما يعرضه من سلع وما يلبيه من رغبات، ممزوجة بذكريات جميلة عاشها أهل العروس مع هذا السوق العتيق طيلة خمسة عقود.

تأخذك الحيرة وأنت تتجول وسط الموقع بين محلات الأكلات الشعبية، والحناء والبهارات، والفخار، والمجسمات التراثية والكماليات والخردوات، وبسطات الفواكه والخضراوات، ليزيد عبق هذا السوق محلات تخصصت في بيع الزهور والورود والفل والريحان، لترسم لوحة كرنفالية لسوق تراثي يشكل ذاكرة لكل جداوي عتيق.

وما يعطي هذا الموقع قيمة إضافية مبني كبير كان أحد العلامات السامقة لجدة القديمة يجمع كبار تجار الذهب والفضة تحت سقف واحد، فبمجرد مرورك فوق الكوبري الملاصق للسوق، ستجد هذه المبنى الأبيض القديم الذي زينته محال بيع المعدن النفيس، فأعطت السوق قيمة وبريقا عند أهالي المنطقة ومحبي الأسواق الشعبية.

هذا المبنى تؤكد المصادر التاريخية أن عمره يناهز الأربعين سنة وتعود ملكيته لتاجر الأحذية عبدالغفور أمين -رحمه الله-، يعد قبلة كل باحث عن المعدن النفيس بجودة عالية وسعر منافس، بل أضحى مصدرًا ممولاً لمحال الذهب والفضة ليس على مستوى مدينة جدة فحسب بل على مستوى منطقة مكة المكرمة وما جاورها.

العم علي الصائغ شاهد عيان على تاريخ هذا السوق يتحدث بشوق قائلا: «إنه ذاكرة حية على كثير من أفراح أهالي العروس، فلا تجد مناسبة سعيدة من زواج أو حفل نسائي بهيج إلا ومصوغات هذا السوق معلقة رقاب أو في أيدي صاحبة المناسبة والمدعوات، أو حاضرة كهدية من أسورة أو خاتم أو خلاخل يقدم لصاحبة المناسبة كهدية لا تنساها طوال العمر».

ويرى الصائغ القديم أن هذا الموقع التراثي العتيق، يحتاج للفتة اهتمام وتطوير في ظل توجه الدولة -حفظها الله- نحو الاهتمام بكل ما هو تراثي وقديم كونه، يشكل ذاكرة لأهالي المنطقة، ووجهة لكل زائر للعروس.

ويتفق العم أحمد وهو بائع أمضى أكثر من أربعة عقود في السوق مع رأي الصائغ، بأهمية تنظيم الموقع وتطويره، ليبقى علامة فارقة وواسطة عقد بين أسواق جدة الشعبية، وأحد علامات التمازج الحضاري الثقافي في عروس البحر الأحمر.