لم يكن مستغربا أن يدعو سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان خلال القمة العالمية للذكاء الاصطناعي مؤخرا كل الحالمين في العالم للانضمام للمملكة التي تسعى لأن تكون مركزا وحاضنة للذكاء الاصطناعي. وأبرز سموه الأهمية الكبيرة للذكاء الاصطناعي لمواكبة التحديات المستقبلية ولاسيما وأن القمة تزامنت مع جائحة كورونا التي كشفت عن أهمية دعم التحول الرقمي في مختلف المجالات الصناعية والإنتاجية. وتنسجم رعاية سمو ولي العهد لهذه القمة العالمية الاهتمام الذي يوليه سموه لهذا المجال ولاسيما أنه يعد ركيزة في التحول نحو تحقيق رؤية 2030.

الذكاء الاصطناعي.. «النفط الجديد» لخير الإنسانية والتحول الرقمي

وصف وزراء ومسؤولون دوليون قيمة البيانات والذكاء الاصطناعي بأنها «النفط الجديد» الذي تحتاجه الدول والموظف الافتراضي الذي ترغب الدول والحكومات في استقطابه وتوظيفه لتنفيذ خطط استراتيجية عملية التحول الرقمي، وتحقيق الأثر الاقتصادي المنتظر في المستقبل.

وقال الدكتور ماجد التويجري، الرئيس التنفيذي للمركز الوطني للذكاء الاصطناعي، إن المملكة تبذل جهوداً لتطوير الكوادر السعودية المتخصصة في مجال تقنيات البيانات والذكاء الاصطناعي، مشيرا إلى أن إبرام اتفاقيات مع شركات عالمية يلعب دوراً مهماً لدعم تحقيق حوالى 70 % من أهداف رؤية المملكة 2030 بشكل مباشر عبر أجندة البيانات والذكاء الاصطناعي.استخدام الذكاء الاصطناعي من أجل الخير.

إنقاذ الأرواح

يقول براد سميث الرئيس والمدير القانوني في شركة مايكروسوفت، إن العالم كان وما يزال يعاني من أزمات إنسانية مستمرة ناجمة عن الكوارث الطبيعية والكوارث التي يتسبب بها الإنسان، وبينما تسعى تلك المنظمات الإغاثية للتعامل مع هذه الكوارث والأحداث، لا يزال عملها في كثير من الأحيان لا يعدو أن يكون ردّة فعل، ومن الصعب توسيع نطاقه.

ووفقاً لسميث، فإن الذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات، بالإضافة إلى الخبرة المتمثلة في العلوم البيئية والمساعدات الإنسانية، ستساعد على إنقاذ المزيد من الأرواح وتخفيف المعاناة وذلك عن طريق تحسين الطرق التي تتنبأ بحدوث الكوارث، ولذلك أطلقت مايكروسوفت برنامج “الذكاء الاصطناعي من أجل الأرض” AI for Earth ، والذي يهدف إلى حماية كوكبنا من خلال استخدام علم البيانات، وتبلغ مدة البرنامج خمس سنوات و تكلفته 50 مليون دولار، ويقوم البرنامج بنشر خبرة مايكروسوفت التي تصل إلى 35 عاماً في مجال البحث والتكنولوجيا في تقنيات الذكاء الاصطناعي في القطاعات الأربعة الرئيسية الزراعة والمياه والتنوع البيولوجي وتغير المناخ.

ويقول لوكاس جوبا الذي يرأس برنامج الذكاء الاصطناعي من أجل الأرض في مايكروسوفت “نعتقد أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون مغيراً لقواعد اللعبة في مواجهة التحديات المجتمعية الملحّة وخلق مستقبل أفضل, وتعتبر القارة الافريقية أفضل مكان يمكن من خلاله لمس التغييرات الجذرية للذكاء الاصطناعي، حيث يمكن أن يؤدي التبني المبكر لأدوات الذكاء الاصطناعي في مجالات مثل الزراعة والحفاظ على الموارد إلى تحقيق فوائد بيئية و اقتصادية.

المملكة تتقدم 7 مراكز في المؤشر العالمي للذكاء الاصطناعي

حققت المملكة المركز الأول عربيًا، والمركز 22 عالميًا في المؤشر العالمي للذكاء الاصطناعي، مقارنة بالمركز 29 عالميًا من العام الماضي، كما نالت المملكة المركز الثاني عالميًا في معيار الاستراتيجية الحكومية، والمركز التاسع عالميًا في معيار البيئة التشغيلية. جاء ذلك في تقرير مؤشر تورتويس انتليجينس «Tortoise Intelligence»، الذى يقيس أكثر من 143 مقياسًا لمستوى الاستثمار والابتكار وتنفيذ تقنيات الذكاء الاصطناعي عبر عدة معايير كقوة البنية التحتية والبيئة التشغيلية والأبحاث والتطوير وغيرها.

وقال رئيس الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي «سدايا» الدكتور عبدالله بن شرف الغامدي: «إن تقدم المملكة لسبعة مراكز في المؤشر في عام واحد أمر يدعو للفخر، مشيرا إلى أن إنشاء «سدايا» الجهة الحكومية المتخصصة لشؤون البيانات والذكاء الاصطناعي يعد أحد الأمور التي ساهمت في ذلك إلى جانب إطلاق الاستراتيجية الوطنية للبيانات والذكاء الاصطناعي «نُسدي».

وأشار إلى أن وصول المملكة لهذه المرتبة المتقدمة كان نتيجة تكامل جهود العديد من الجهات والهيئات الحكومية التي شاركت في تنفيذ وتطبيق مبادرات برنامج التحول الوطني بما يتوافق مع رؤية المملكة 2030.ورغم إطلاق «سدايا» منذ شهر مارس العام الماضي 2019، إلا أنها حققت العديد من المنجزات خاصةً في ظل تحديات العام الحالي كنجاحها في إطلاق القمة العالمية للذكاء الاصطناعي، وإدارة أنظمة الاتصال المرئي الآمن وتشغيلها لقمة الرياض لمجموعة العشرين بكل كفاءة، إلى جانب إطلاقها العديد من المبادرات والتطبيقات مثل توكلنا وتباعد وغيرها خلال العام. ووفقا للهيئة فإن المملكة ستستثمر أكثر من 20 مليار دولار في الذكاء الصناعي حتى عام 2030. وكانت السعودية وقعت 3 اتفاقيات إستراتيجية مع شركات IBM، وعلي بابا، وهواوي، في القمة العالمية للذكاء الاصطناعي مؤخرا، وجاءت القمة في سياق سعي المملكة لتحقيق تطلعاتها في الريادة العالمية من خلال الاقتصاد القائم على البيانات والذكاء الاصطناعي، وتخطط المملكة لأن تصنف من بين أول 15 دولة في هذا المجال، كما تعتزم الى إنشاء 300 شركة متخصصة في التقنية والمعلومات والبيانات، في خطوة تأمل أن تكون أحد محاور الاقتصادات البديلة التي تسعى لها وذلك بعد تحقيق وفورات وإيرادات قدرها 43 مليار ريال في 2019 فقط، ومن بين الأهداف تدريب 40 % من القوى العاملة المعنية على البيانات والذكاء الاصطناعي، بوجود أكثر من 20 ألف متخصص بالإضافة إلى استحداث 40 ألف وظيفة مباشرة وغير مباشرة تتعلق بالمجال.

الذكاء الاصطناعي في المملكة.. أرقام وتحديات

المملكة إلى المرتبة 22 عالميا

والأولى عربيا في المؤشر

التقدم 7 مراكز خلال عام واحد

143 مقياسا لمستوى الاستثمار والابتكار وتنفيذ التقنيات

استثمار 75 مليار ريال في الذكاء الاصطناعي

إنشاء 300 شركة للذكاء الاصطناعي بحلول 2030

المملكة ضمن أول 15 دولة بالمجال في 2030

43 مليارا وفورات يحققها الذكاء الاصطناعي خلال عام

تأهيل 20 ألف متخصص بالمجال

توفير 40 ألف وظيفة مباشرة وغير مباشرة

توقيع 3 اتفاقيات دولية في القمة العالمية مؤخرا


الروبوت والخدمات الذكية أبرز مجالات الذكاء الاصطناعي

يعد الذكاء الاصطناعي أحد أنواع العلوم الحديثة التي انتشرت على نطاق واسع في الآونة الأخيرة، وقد دخل في كثير من المجالات الصناعية والبحثية، وعلى رأسها الروبوت والخدمات الذكية للحكومات والشركات. ويعرف الذكاء الاصطناعي بأنه أحد فروع علم الحاسوب، وهو ذلك السلوك وتلك الخصائص التي تعتمد عليها البرامج الحاسوبية المختلفة، وتتماشى مع القدرات الذهنية البشرية في الأعمال المختلفة، ومن أهم تلك القدرات قدرة الآلة على التعليم واتخاذ القرارات الصحيحة.

ويكتسب الذكاء الاصطناعي المعلومات عن طريق الممارسات العملية، كما أنه قادر على التمييز بين القضايا المتعددة بشكل دقيق، ومن أهم قدرات الذكاء الاصطناعي استجابته للمتغيرات، وتميزه بالمرونة وسرعة رد الفعل في جميع المواقف.

والذكاء الاصطناعي يتمتع بقدرته على الإدراك الحسي، وبالتالي اتخاذ القرارات بشكل سليم، اعتمادا على دراسة جميع الاحتمالات وإتقان نتائجها، ومن ثم اختيار أفضل القرارات التي تؤدي إلى النتائج المطلوبة. ويمكن القول بأن الذكاء الاصطناعي بدأ مع تطوير بعض البرامج الحاسوبية المختلفة، وعلى رأسها برامج لعبة الشطرنج، حينما قام العالم كلود شانون برسم خوارزمية تؤهل الحاسوب للعب الشطرنج وتوقع كل احتمالات تحرك اللاعب الآخر. ويدخل الذكاء الاصطناعي في جميع المجالات التقنية التي تحتاج إلى التفكير المنطقي والمعرفة والتخطيط والإدراك الافتراضي القائم على تطبيق النظريات واختيار الحلول الصحيحة.

« سدايا ».. تحويل «الذكاء الاصطناعي» إلى محركات للتنمية

أطلقت المملكة مؤخرا، استراتيجية وطنية للذكاء الاصطناعي تهدف إلى جعلها «رائدا عالميا» في هذا المجال، وجاء إطلاق الاستراتيجية الجديدة خلال أول أيام القمة العالمية للذكاء الاصطناعي مؤخرا من أجل تحقيق الكثير من المنجزات الوطنية المهمة حتى عام 2030 وأبرزها أن تكون ضمن أول 15 دولة في الذكاء الاصطناعي، والوصول إلى أعلى 10 دول في البيانات المفتوحة، وأعلى 20 دولة في الإسهام بالمنشورات العلمية، وتطوير الأفراد ببناء مورد مستدام للكفاءات لأكثر من 20 ألف متخصص وخبير في البيانات والذكاء الاصطناعي، وستنفذ السعودية خطة متعددة المراحل والأوجه تشتمل على المهارات والسياسة والتنظيم والاستثمار والبحث والإبداع وتطوير النظام البيئي. وأعلنت الهيئة مؤخرا عن تأسيس شراكة استراتيجية مع البنك الدولي بمجال الذكاء الاصطناعي من أجل تعزيز الاقتصاد الرقمي في البلدان النامية، وتمكينها من تسريع تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي وتحويلها إلى محركاتٍ للتنمية الاقتصادية، ويشمل مشروع الشراكة، بين المملكة ومجموعة البنك الدولي أربع مراحل ستنفذ تباعاً، الأولى: تحسين جاهزية الذكاء الاصطناعي، والثانية: تطوير نموذج تجريبي يناسب الدول والثالثة: تحديد آلية تفعيل الشراكة مع البنك الدولي، أما المرحلة الرابعة فستشهد توسيع نطاق الشراكة

ووقعت الهيئة مذكرة تفاهم مع شركة «علي بابا للحوسبة السحابية» بهدف تأسيس شراكة إستراتيجية لقيادة الابتكار في المدن الذكية في المملكة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، وستدعم الشراكة الجديدة مساعي المملكة لتطوير مدنٍ ذكيةٍ بمواصفاتٍ عالمية يمكنها الاستجابة بفاعلية أكبر لاحتياجات ورغبات السكان للارتقاء بجودة الحياة، كما ستوظف البيانات والذكاء الاصطناعي لجعل المدن أكثر ذكاءً فضلاً عن تعزيز الأمن والسلامة.

كما ستعمل كلٌ من «سدايا» و»علي بابا» على تطوير الحلول الرقمية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي في العديد من القطاعات؛ بما في ذلك: السلامة والأمن، والنقل، والتخطيط الحضري، والطاقة، والتعليم، والصحة، وغيرها، وأوضح رئيس الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي «سدايا» الدكتور عبد الله بن شرف الغامدي، أن رؤية المملكة 2030 تتضمن أهدافاً واضحة لتحويل مدن المملكة إلى مدنٍ ذكية عبر الاستفادة من تقنيات بيانات المدن، بوصفها من الأصول الوطنية التي يتوجب تطويعها لتجسيد الرؤية الطموحة.

وقال إن مسيرتنا نحو تطوير مدن ذكية تُصنف من بين الأذكى في العالم تسير على قدمٍ وساق في مدينة الرياض، وهذه الشراكة مع «علي بابا للحوسبة السحابية» ستدعم تسريع تحول مدننا، من خلال تمكين التقنيات القائمة على الذكاء الاصطناعي التي بدورها ستسهم في التنمية الاقتصادية المستدامة، وتحسين نوعية حياة مواطنينا. وتتطلع كل من «سدايا» و»علي بابا» لتحقيق نتائج مثمرة في البحث العلمي والتطوير التقني والابتكار والتحول الرقمي لإثراء ودعم تطوير المدن الذكية في المملكة.