يتعالى الفن فوق كل شيء، التاريخ، الحروب، الأحقاد، الزمن، لأنه القيمة الخالدة التي لا يقهرها الزمن والتي لا تموت أبدًا.. لكن للأسف ما تزال الذهنيات في البلاد العربية متحجرة ولا تعرف قيمة الفن وخلوده، واختراقه لدواخلنا، من خلال بيت شعر، لوحة فنية، مقطوعة موسيقية، أوبرا أو غيرها.. لا نستغرب اليوم، أن نجد من الجيل الجديد من لم ير فيلمًا واحدًا في حياته في قاعات السينما، ولا مسرحية ولا أوبرا.. فقد ربّي في الرماد وعلى الخطابات المفرغة من أية حياة، وعلى الاستهلاك السهل الذي لا يدفع إلى أي تفكير.. لا نعرف اليوم الكثير عن ألبانيا، لكن الكاتب العالمي إسماعيل كداري حملها على ظهره وزج بها في الخرائط المغلقة.. شكسبير وحده يكفي لتذكر إنجلترا التي كبرت به.. بيكاسو حمل على عاتقه إسبانيا والإنسانية من خلال لوحة واحدة هي غيرنيكا.. ماذا تساوي اليابان دون كيروساوه وموراكامي اليوم؟ وهل لليونان قيمة وديمومة في غياب نيكوس كانتزاكي أو الموسيقي ميكيس تيودوراكسيس أبو رقصة زوربا الشهيرة "سيرتاكي"؟ كيف نستغرب اليوم ميل الكثير من الشباب العربي نحو الحركات العدمية والمتطرفة، في غياب التوازن الفني الداخلي الذي يشعر المرء بأن العالم جميل ويستحق أن يعاش؟

ورثت الجزائر من الحقبة الاستعمارية أكثر من 400 قاعة سينما، بعد الاستقلال، بدل حمايتها وتدعيمها والعمل على توسيعها بقاعات أخرى، تمت إبادتها حتى اضمحلت نهائيًا وقتلت، ولم يبق منها إلا العشر بعد موت جمهور السينما الذي تخطى في السبعينيات 40 مليونًا من سكان لم يتجاوزوا 20 مليونًا.. وتحولت القاعات إلى صالات للأعراس، لا روح فيها ولا حياة.. الشيء نفسه أو قريب منه نجده في معظم البلدان العربية المغاربية.. في المغرب عندما زرت مدينة وجدة حكى الأصدقاء هناك عن نفس الوضعيات.. وتونس لم تشذ عن هذه الحالة مع أنها كانت قد بدأت في إنشاء صناعة سنيمائية.. كيف نفسر هروب السينمائيين العرب والمغاربيين تحديدًا نحو أوروبا لإنتاج أفلامهم؟ كان يفترض استرجاع القاعات من الذين نهبوها بلا عقاب، وتخصيص ميزانية حقيقية لترميمها وفتح السوق السينمائية الوطنية والعربية على الأفلام العالمية.. الأمر الذي جعل البلاد العربية التي كان لها باع في السينما تتخلف.. ماذا يعني الميراث إذن في ثقافتنا؟ الميراث المنجز محليًا من خلال قرون من الجهد والتمايز والعبقرية؟ لقد تم تطوير عقلية عدمية لا ترفض فقط ما لا يروق لها، ولكن تطمسه.. وبدل الاحتفاظ بالذاكرة حية وتوريثها للأجيال اللاحقة برؤية فنية وطنية متفتحة، راح سدنة العدمية يقومون بكنسها، وبغرس الرؤوس في الرمال كما يفعل النعام، حتى لا يرون شيئًا من الخراب الذي صنعوه بأيديهم..

قاعة واحدة شذت قليلاً عن هذا الموت المبرمج، صالة الأطلس الضخمة، ماجستيك Majestic سابقًا.. تستحق هذه القاعة العظيمة أن نتحدث عنها اليوم في ظل هذا الاندثار المتسارع لكل ما كان يجعل السينما العربية في الواجهة الثقافية العالمية.. أسسها صاحبها جوزيف سايبيراس Joseph Seiberras ودشنها في 1930.. فقد كان يملك قاعة عرض صغيرة في عاصمة الجزائر في العشرينيات، قبل أن يقدم على المغامرة الكبرى.. كان هذا الرجل العاشق للسينما والمشبع بها حد الجنون، يحلم بتشييد قاعة كبيرة، صالة عروض، تنافس القاعات العالمية المعروفة في بدايات القرن العشرين.. في زمن قياسي أنجز واحدة من أجمل وأوسع وأحدث وأرقى صالة سينما في العالم ماجستيك.. صُنفت وقتها واحدة من أكبر عشر صالات عرض سينمائي في العالم.. مع ثلاثينيات القرن العشرين نفّذ حلمه المدهش الذي سكنه زمنًا طويلاً.. ومنح مدينة الجزائر هذه القاعة التي تستوعب 4000 شخص.. شيء لا يمكن تصوره في ذلك الوقت لتنفيذ هذه المَعلمَة العظيمة، استلف من البنك مالاً كبيرًا، وباع قاعته الصغيرة، كما احتاج إلى 1500 م2 من الأرض، في حي باب الوادي.. وجاء باليد العاملة المحترفة من أقاصي البلاد وإيطاليا.. فكانت النتيجة مذهلة، واحدة من أعظم وأجمل قاعة سينما في العالم، بتقنية غريبة وفريدة في وقتها، أدهشت كل عشاق الفن السابع.. لا يوجد بصالة العروض مثلاً أي سقف في بلد متوسطي عرضة للأمطار الموسمية والرياح.. كان السقف مفتوحًا كليًا على الهواء، على السماء وعطر البحر وأشجار البرتقال.. بإمكانك ليلاً أن ترى النجوم وأنت تتفرج في فيلم أو تشاهد مسرحية أو تسمع موسيقى.. كان السقف بطول 23 مترًا في 13 مترًا.. في حالة الأمطار والرياح، تكفي دقيقة واحدة لتلتقي القطعتان المعدنيتان بصمت، وتنغلقا بإحكام، من دون حتى أن ينتبه الجمهور لذلك.. منصة الصالة جهزت لتكون قادرة على استيعاب أكثر من 400 ممثل وفنان ومسرحي؟ قاعة العروض كانت مجهزة بأحدث الوسائل التي لا يمكن تخيلها في وقتها.. يتيمة هي اليوم، في فراغ ثقافي كبير، وفي ديكور مبهر يحده البحر والجبال، يمر بصمت أمام أعين العابرين.. وعلى الرغم من تسييسها، فقد أنقذت ماجستيك من الموت الذي طوى تاريخ 400 قاعة كانت حية.