منذ تأسيس المملكة على يد الموحد المغفور له بإذن الله الملك عبدالعزيز-طيب الله ثراه- وسياسة المملكة العربية السعودية تقوم على مبدأ ثابت يرتكز على «عدم التدخل في شؤون الدول»، و»احترام دول الجوار» بل «والمحافظة على أمنها واستقرارها»، ومملكة البحرين الشقيقة مثال واضح عندما تدخلت قوات الردع السريع السعودية، واتخذت مواقعها في حماية المنشآت الهامة والحيوية في مملكة البحرين ضد التهديد الإيراني، وحماية أجواء البحرين من أي اعتداء خارجي، وعندما زال خطر التهديد الإيراني رجعت إلى قواعدها.

هذه هي السعودية العظمى تمد اليد للمساعدة ولا تمدها لزعزعة أمن واستقرار دول الجوار أو الدول العربية بشكل عام. فالمملكة ليست لها أطماع ولا تتدخل في سيادة الدول على أراضيها. ما دفعنا لهذه المقدمة هي دخول دولة الكويت الشقيقة لرأب الصدع بين قطر ودول المقاطعة (السعودية ومصر والإمارات ومملكة البحرين)، وعلى وجه الخصوص المملكة، البلد الوحيد الذي لديه حدود برية مع دولة قطر. المبادرة الكويتية ليست وليدة اليوم بل هي امتداد لجهود أمير دولة الكويت الراحل الشيخ صباح رحمه الله ، ولكن الرفض القطري هو الذي أطال عمر المقاطعة لتتجاوز الثلاث سنوات.

«البعض»أرجع جهود دولة الكويت الحالية للمصالحة بين دول المقاطعة وقطر إلى فوز بايدن بالانتخابات الأمريكية!!، وهذا الكلام غيرصحيح البتة بدليل جهود أمير دولة الكويت الراحل الشيخ صباح يرحمه الله، كما أسلفت آنفاً، والأمر الآخر أن الانتخابات الأمريكية هي شأن داخلي أمريكي، يقرره الشعب الأمريكي، ولا تعنينا لا من بعيد ولا من قريب، وقلت هذا الكلام في مقال لي سابق قبل الانتخابات الأمريكية. ولكن مربط الفرس هنا هو أن تتم «المصالحة» على مبدأ المصارحة والمكاشفة، وحسن النوايا، وعدم التدخل في شؤون الآخر، وأن يتفهم الأشقاء في دولة قطر أن السعودية ليست لها أية أطماع في قطر، بل تريدها دولة ذات سيادة على أراضيها، ودولة خليجية فاعلة في منظومة مجلس التعاون الخليجي تؤثر وتتأثر بالإجماع الخليجي

. نريدها دولة تهتم بمصالحها وبمصالح شعبها، وبمشاريعها التنموية، وبنهضة البلاد ورخائها وأمنها واستقرارها بعيداً عن التجاذبات السياسية الإقليمية والدولية والتي هي أكبر منا ومن قدراتنا وإمكاناتنا، وأن تنأى قطر بنفسها عن كل ما يجعلها عرضة للابتزاز من دول خارجية. فالسعودية هي الشقيقة الكبرى لقطر تدافع عنها متى ما طلبت دولة قطر ذلك. نحن هنا لا نستجدي أحداً، ولا نتخذ سياساتنا الخارجية وفق من يحكم أمريكا. فمن خبرتي ودراستي في أمريكا، والتي امتدت لأكثر من عشر سنوات، سياسة أمريكا الخارجية مرسومة ومعدة سلفاً، وكل رئيس ينفذها وفق الظروف المتاحة أمامه، فالتغيير في السياسة الأمريكية الخارجية هو فقط في الأوجه والأسماء، على الرغم من أن جو بايدن قال في صحيفة «ذا ريبابلك» أن سياسته لن تكون تكراراً لسياسة الرئيس السابق باراك أوباما». وهذا أيضاً لا يعنينا بشيء. فالذي يعنينا هو تماسك اللحمة الخليجية، وتكاتفها ضد أطماع إيران وغيرها من الدول الإقليمية والغربية والشرقية. تكاتفنا مع بعض يفوت الفرصة على المتربصين بنا من كل حدب وصوب، فكل يريد أن يأخذ نصيبه من»الكعكة» التي يفترض أنها فقط لشعوب دول الخليج العربي لوحدها. ثرواتنا يجب أن لا تصرف على التدخلات الخارجية، والتكتلات كل ضد الآخر، وإنعاش مصانع الأسلحة. ثرواتنا يجب أن لا تذهب لمبتزين ومرتزقة ومهرجين، ثرواتنا ودخلنا يجب أن تصرف على الاستثمار والمشاريع التنموية، والبنى التحتية، والتعليم والصحة، وتعزير اقتصادياتنا في المنظومة الخليجية والإقليمية والدولية وغيرها.

دولة قطر، وغيرها من الدول الخليجية، ليس لها إلا حضنها الخليجي، وحضنها العربي، وهذا ما نتمناه ونأمله في الأيام القادمة.