لا زالت في الذاكرة حادثتان فيها الكثير من العبر:

الأولى: عند تخرجي من جامعة وسط ويلز في بريطانيا نهاية عام 1991م، كانت المشرفة على رسالتي قد تعدت عتبة السبعين من العمر بخمس سنوات ميلادية تقريباً، وأذكر أنها كانت على نظام التعاقد الجزئي مع الجامعة.. وبحسبة رياضية بسيطة نجد أنها الآن قد تخطت المئة وخمسة أعوام بالسنة الميلادية والرقم يزيد لو تم حسابه بالسنة الهجرية.

كعادتي بين وقت وآخر أتصل بها للاطمئنان والسؤال عن سيدة كريمة ودودة خلوقة عالمة أحسنت إلى يوماً ما ولم تبخل بوقتها في توجيهي وكانت سندًا لي بعد الله في إنهاء دراستي بنجاح ولله الحمد والمنة.. قال تعالى في سورة الرحمن «هَلْ جَزَاَءُ الْإحْسَانِ إلَّا الْإحْسَانُ».

قبل شهر تقريباً تذكرتها وخاصة ومنطقة ويلز في حظر شبه كامل بسبب جائحة فيروس كورونا المستجد، تعيش هذه السيدة بمفردها بعد أن توفي كل أقاربها إضافةً إلى أنها آنسة لم تتزوج طيلة حياتها وكانت تردد -والكلام لها- أنها متزوجة الإحصاء التطبيقي.. للأمانة -ولإيماني الذي لا يتزعزع أن الأعمار بيد الله- تخيلت أنها في عداد الأموات سيما وأنها تعدت المئة عام، المهم، اتصلت عليها بعد تردد وإذا بها على الجانب الآخر من التلفون.. بعد السلام والاطمئنان سألتها عن حالتها الصحية ووضعها في هذه الأيام خاصة وأن منطقة ويلز من أكثر مناطق بريطانيا تأثراً بجائحة كورونا، بدأت حديثها قائلة: بكري، لا تقلق فقد عايشت الحرب العالمية الأولى والثانية والطاعون الدملي الذي حصد الآلاف من الناس ووباء الكوليرا الذي أودى بحياة ربع سكان لندن، والحصبة الألمانية، والأنفلونزا الاسبانية، وقد نجوت -والكلام لها- منها جميعاً ولله الحمد.. بعدها ودعتها داعياً لها بالصحة والعافية.

الثانية: كان عمي الشيخ بدري عساس مريضاً مرضاً شديداً أقعده الفراش لسنوات وكان الوالد رحمه الله يقوم برعايته والاعتناء به في داره بمنطقة الكعكية جنوب المسفلة وكنت وقتها أسكن مع الوالد قبل الزواج.. في أحد الأيام طلب صديق الوالد -رحمه الله- العم حسين حمصاني زيارة شقيقه المريض وبعد الزيارة، قال العم حسين للوالد رحمهما الله جميعاً: «أبو بكري، شقيقك لا أتصور أنه سوف يعيش طويلا فأرجو أن تبدأ في البحث والسؤال إن كان عليه دين أو له دين عند غيره كما جرت العادة».. سبحان الله، بعدها بشهرين تقريباً، توفي العم حسين حمصاني وبعدها بثلاثة سنوات توفي عمي الشيخ بدري عساس رحمهما الله رحمة واسعة.

قال تعالى: «وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أن تَمُوتَ إلَّا بإذْنِ الله».