هناك بعض الأجناس تتفرد عن غيرها، بسبب الظروف الثقافية المحيطة ببلد معين، في لحظة من اللحظات التاريخية الحاسمة، أو بسبب خصوصية الجنس نفسه بحيث أنه يستجيب لمعطيات ظرفية في مكان معين دون غيره.. وجدت الرواية تجليها الكبير في ثلاث مجتمعات صناعية هي روسيا، بريطانيا، وفرنسا، وأمريكا لاحقًا، لأنها كانت تعيش شرطية معقدة لا يستطيع أي جنس روائي أن يتجاوب معها باستثناء الرواية لأنها الأكثر قدرة على استيعاب معطيات الحاضر في كل تعقداته وتحولاته المستمرة.. وتشكل اليوم الرواية العربية، على الرغم من حداثتها، بالقياس إلى أوروبا، حالة استثناء طباعة وتوزيعًا وقراءة.

منذ بدايات القرن العشرين وهي مصدر اهتمام متنام، ولو كان منبع ذلك في البداية هو الرغبة في فهم هذا الوافد الغريب ومحاولة اكتشافه، بالخصوص بعد ظهور رواية زينب لهيكل.. صحيح أن النقاش بين القبول والرفض كان حادًا ومفجرًا للبنية الثقافية العربية الغارقة في تقليدية متهالكة، ولكنه أدى إلى انتصار الرواية بدون أن يعني ذلك انتصارًا مسبقًا للحداثة، لأن هذه الأخيرة ولدت معطوبة في أسسها الاقتصادية والفكرية ونظمها السياسية.. واستمر هذا الاهتمام في التنامي حتى أفق القرن الحادي والعشرين الذي يمكن اعتباره قرن الرواية بامتياز، أي قرن البحث عن فسحة جديدة للمتخيل في زمن لم يعد لا سهلا ولا مضمونًا.. زمن للحروب والموت والصدامات الكبرى والصراعات الحضارية الأكثر تدميرًا التي تلوح في الأفق، بل والأوبئة التي ظنت البشرية أنها تخلصت منها بحكم تقدمها التقني والعلمي.. زمن يتأكد فيه باستمرار جشع البشرية وعودة منطق استعمارات القرن التاسع عشر الذي غير النظم والأفكار ووجهات البشرية.

الرواية في هذا السياق تبدو بتحولاتها الداخلية، أكثر الفنون مطاطية، واستيعابًا للخراب الحاصل، أي للتراجيديات المتلاحقة التي تبدو كهدير مخيف وكأن لا قوة تستطيع الوقوف في وجهها.. فن الرواية، في هذا السياق، هو شكل من أشكال التوترات الإنسانية، والتوازنات البشرية لزرع الأمل في النفوس والبحث عن إنسانية أفضل.. فالرواية رديف لغوي ومسار مواز للحياة، في تفاصيلها وبنيتها.. أكثر من ذلك كله، فهي أكثر الأشكال الفنية جرأة، ولا مقدس لديها بما في ذلك شكلها الأدبي الخارجي الذي يتحول باستمرار بنيويًا، تاركًا مكاسبه الأولى وفتوحاته للتاريخ.. هذه الظاهرة ليست عربية فقط، بل أصبحت عالمية تتحكم في صيرورة الرواية وفي تماديها الحر في خلق فضاءات كتابية جديدة.. أينما وليت وجهك فثمة ازدهار كبير لهذا الفن، من الصين إلى اليابان، إلى أميركا الشمالية واللاتينية، إلى أوروبا، إلى العالم العربي.. فهي الفن الوحيد الذي لا يعرف منطق التخلف والتقدم، أو الاختلافات السياسية والأيديولوجية.. يمكن أن يولد روائي عالمي كبير في بلد متواضع اقتصاديًا وثقافيًا، حالة إسماعيل كاداري من ألبانيا، دليل قاطع.. لم تعد نشرات الأخبار تذكرها إلا في سياق ذكرها للكاتب.. الكاتب عتيق رحيمي من بلد الحروب المتواترة أفغانستان الذي فرض اسمًا اسمه أفغانستان، والتركي أورهان باموك، إذ لم يمنع حرمان أوروبا انضمام تركيا إلى حظيرتها من الاعتراف به، ومنحه جائزة نوبل، ولم يمنع الحصار الممارس ضد العرب من منح نجيب محفوظ جائزة نوبل، والتفكير على الأقل في منحها في السنوات الأخيرة لدرويش، أدونيس أو آسيا جبار.. لا يمر هذا كله دون أن يجعل من الرواية فنًا طغيانيًا، يكاد يكون إمبرياليًا، بمعنى الهيمنة المطلقة، لأنه يتوسع على حساب فنون أخرى، بل أكثر من ذلك يستعير مكاسبها الفنية وبنياتها.. وهذا طبيعي، لأن هذه الفنون الأخرى كالشعر مثلا، وصلت إلى أفق الانسداد الكلي ودخلت في دوران قاتل ومميت يطبعه التكرار.. مع أن الشعر في جوهره، يشكل الإحساس العميق للبشرية التي ستعود يومًا إلى طفولتها الأولى ولن تجد أمامها إلا الشعر الذي يحميها من جبروت أفكارها المدمرة.

ظاهرة شيوع وانتشار الرواية في الوطن العربي وغيره مسألة طبيعية لقدرتها على العيش والتجدد الشكلي والمضموني.. ناهيك عن كونها أصبحت فنًا شعبيًا بامتياز.. ولا مشكلة لديها في إحداث تغيرات عميقة في بنيتها الجذرية.. قد تقف أحيانًا بعنف ضد كل نظمها الداخلية التي شيدتها، فتدمرها وتعيد بناءها وفق معطيات جديدة، ولهذا تكتب لها الحياة من جديد كلما ظننا أنها على أبواب الاحتضار والموت.. فقد استطاعت الرواية أن تدمج ضمن نظامها الداخلي المعقد، الشعر والمسرح والتشكيل والموسيقى، والكثير من الفنون الأخرى.. ولهذا لا نفاجأ بتجددها الدائم وقدراتها على الحياة والاستمرار.. طبيعتها تتحمل هذه الشعبية التي تصبح سريعًا جزءًا من بنيتها بعد هضمها واستيعابها.