الخرط هنا هو بمعنى الكذب والبكش بأشكاله وأنواعه المختلفة.. وفضلاً الملاحظة أن كلاً منا يتعرض يومياً لمئات الأكاذيب سواء كانت تجارية، أو سياسية، أو اجتماعية.. ولا تنسَ «بكش» بعض الكائنات من الوزغ الذي يتخلص من ذيله «يعني يعني» انه مصاب.. إلى «العراري» التي تطلق الأصوات المزعجة بقوة وكأنها وحوش، ولكنها تختبئ في حاويات النفايات أعزكم الله. وقبل أن نخوض في موضوعنا، أود أن نعرج على عالم الكيمياء: في نهاية الثلاثينيات من القرن العشرين وفي خضم هوس التسليح للحرب العالمية الثانية، كانت هناك حاجة للارتقاء بخصائص الحديد الصلب لتحمل قوة القذائف العملاقة. وكانت إحدى التحديات هي مقاومة الاحتكاك الشديد الذي كان يتسبب في التأثير على أسطح الأسلحة فيفسد دقتها. واكتشف العلماء أن إضافة عنصر «التنجستن» كان «يهذب» ذرات الحديد و»يعشقها» لكي تثبت وتتحمل الحرارة الشديدة.. ونتج عن ذلك زيادة شديدة في الطلب على هذا العنصر الذي لم يكن معروفاً إلى تلك الحقبة الزمنية. وكان المصدر الرئيس هو دولة البرتغال المحايدة التي كانت تستحوذ على حوالي تسعين بالمائة من المخزون الأوربي.. وكانت تصدّره لمن يرغب من الجهات المتحاربة سواء كانت ألمانيا، أو بريطانيا، أو أمريكا، أو غيرها. وسأعود إلى «التنجستن» بعد 187 كلمة من هذه النقطة.

نظراً لأن البرتغال كانت من الدول القليلة المحايدة خلال الحرب، فكانت في عاصمتها لشبونة إحدى خصائص الحياد وهي كثرة الجواسيس. يقدر أن تلك المدينة الجميلة كانت تحتوي على أكبر عدد من الكاذبين والبكاشين والخراطين الذين يتخصصون في نقل الأخبار، ونشر الشائعات، واختلاق الأكاذيب بأشكالها وأنواعها المختلفة. وعلى قمة جميع جواسيس لشبونة تربع الإسباني «وان بوجول جارسيا» واسم شهرته «جاربو» نظراً لقدراته المتميزة على التمثيل الدرامي، ونسبة لأشهر ممثلة في العالم آنذاك وهي السويدية «جريتا جاربو». كان هذا الرجل يتميز بالخيال الواسع، واختلاق الأحداث بطرق إبداعية عجيبة.. وللمعلومية كانت زوجته نكدية جداً.. وقد تكون هذه من متطلبات الجاسوس الناجح في أي زمان ومكان.. الشاهد أنه حاول مراراً أن يكون جاسوساً لبريطانيا ولكنهم رفضوا طلبه. ولكن «جارسيا» كان عنيداً جداً، فذهب إلى الألمان ومارس الخراطة في أقوى أدوارها فتم تجنيده للتجسس لصالحهم. وبعدها مباشرة عاد للإنجليز ليصبح عميلاً مزدوجاً للطرفين ولكن ولاءه ظل لإنجلترا. ومن عام 1941 إلى 1944 قام بتأليف أكاذيب كبرى ضد الألمان، ونجح في خداعهم لدرجة أنه حصل على أعلى الأوسمة وأفضل التكريم من القيادات العليا. وتوج عمله في صيف 1944 بتقديم التمويه للألمان لتشتيت قواتهم الدفاعية، وإبعادها عن مواقع إنزال الحلفاء على شواطئ «نورماندي» شمال فرنسا فتسبب ذلك في بداية النهاية للنازية.

والآن نعود لموضوع عنصر التنجستن: كان الرئيس الأمريكي يستغرب ويعترض بشدة على الإنجليز لتهاونهم مع البرتغال وذلك لأنهم كانوا يبيعون ذلك المعدن لجميع الأطراف المتحاربة.. وأعتقد أن أحد أهم أسباب ذلك التهاون في بيع «التنجستن» هو أن البرتغال كانت المصدر الحيوي «للدبابيس» بأشكالها وأنواعها لضخ الخرط المتقن للجهات المختلفة بسلاسة وأريحية.

أمنيـــــــة

إحدى المقولات العجيبة لرئيس وزراء بريطانيا السابق ونستون تشرتشل أن في زمن الحرب يصبح الصدق مُهمّاً لدرجة أنه لا بد أن يخدم بحراسة من الأكاذيب. أتمنى أن يقينا الله شرورها في زمن حربنا اليوم ضد الكورونا، وهو من وراء القصد.