الأمثال الشعبية تمتازُ بقصرها وقلة ألفاظها مع كثافة معانيها، فكأنها (تغريداتٌ) سهلةُ الفهم، شيقة الأسلوب، تكشفُ عن أسلوب تفكير، ومدرسة في الحياة.. وأصبحت مصدرًا من مصادر التراث؛ ومرآة الأمم التي تعكس واقعها الاجتماعي والفكري والثقافي.. ومن فوائد الأمثال الشعبية أنها تقرب المراد للعقل؛ فهي تصور المعقول بصورة المحسوس؛ فتجعل المعاني كالأشخاص مما يؤدي إلى ثبوتها في الذهن.

رجعت بي الذاكرة لأيام الطفولة، تلك الأيام الجميلة التي كنا فيها -والدي وأعمامي وعماتي وجداتي- نسكنُ معًا في بيتٍ من ثلاثة أدوار به خمسةُ غرف فقط! يقع في شارع حمزة بن عبدالمطلبِ بالمسفلة، بالقرب من قهوة السقيفة.

في تلك الأيام الجميلة كانتْ هذه الحكم والأمثال الشعبية تتردد على سمعي وسمع أقراني ونحن لم نتجاوز سن الرابعة بعد.

وبعد انتقالنا لدحلة الوِلاية في حي المسفلة كانت الدروس المجانية تعطى لنا عن طريق الأمثال والحكم من الأقارب والجيران خارج المنزل وداخله، وكان الوالد رحمه الله إذا أراد التحذير من شيء أو التشجيع على شيء أردفَ نصيحته بأحد الأمثال أو الحكم.

ومن الأمثال التي ما زالت عالقة في ذهني ذلك المثل الشهير الذي كان والدي يردده دائمًا عندما يرسلني للسوق، يا ولد «ابدأ بالسوق متفرج»، أي تمهل وتفرّج على كافة المحلات لتعرف الأسعار فتأخذ أقلها.

ومثل آخر كنا نسمعه دائمًا: «اللي ما يِقْدِر الكبير يطيح في البير» وهذا يضرب للتأكيد على تقدير كبار السنّ.

ومثل آخر: «اللي يدُق الباب يلاقي الجواب»، يضرب لمن يبدأ بإيذاء الناس فيجد ما لا يرضيه.

ومثل آخر: «اقطع العرق وسيّح دمه»، وفيه أنّ من الحزم حسم الموضوعات وعدم تركها معلقة.

وآخر: «إذا حلقوا لغيرك بُل راسك»، ويضرب للتنبه على أنه ما هو صائر للناس صائر لك.

وآخر: «إذا حضرت الطاسة تحضر ألف رقاصة»، يضرب في ضرورة التروي في الأمور وأنه لم يفت من الأمر شيء.

وأخيرًا: «جنة بلا ناس ما تنداس»، يضرب لمن سكن بمكان غير معمور بالناس مع عظم المكان وجماله.

وهكذا كانت الأمثال بابًا من أبواب التربية، ووسيلة من وسائل التوجيه والتعليم.. وعبر مراحل التاريخ فالاستعانة بالأمثال دومًا، إما لتوضيح فكرة، أو لتقريب معني، أو للدفاع عن رأي، أو للاستشهاد بموقف؛ لذا قيل: «الأمثال الشعبية تُعبر عن واقع الحال وتبقى في البال».