تُعتبر الأعمال اليدوية من الأمور ذات الأهمية الكبرى في حياة أي أمة.. وأنا في المرحلة الابتدائية بحي المسفلة بمكة المكرمة، كنتُ أتأملُ جيراننا في الحي فأجد فيهم النجار والحداد والطباخ والبناء والسمكريّ وغيرهم من أصحاب المهن اليدوية، وكان اللافتُ للنظر أنّهم في معظمهم من السعوديين أبناء البلد، ولم يكن أحدٌ منهم يستحي من عمله، أو يشعر بالنقص، بل كانوا يفتخرون بإتقانهم لعملهم، وتميزهم فيه، إلى درجة أن عدداً من العوائل المكية قد انتسبتْ إلى مهنتها، فكان في مكة بيت النجار، وبيت الحداد، وبيت الطباخ وبيت السمان وبيت البنا وبيت السمكري وبيت الحطاب وبيت الفحام وبيت الخياط، وهكذا.

وبعدما أفاء الله سبحانه على بلدنا بما أفاء من خيرات، أمَّها كثيرًا من أبناء الشعوب حتى وصلت العمالة الوافدة إلى أكثر من مئتي جنسية، ومن هنا أصبحت بلادنا أشبه ما تكون معهدًا عالميًّا للتدريب تعلمت فيه العمالة الوافدة الكثير من المهن، ثم أسهمت بما استطاعت الإسهام به.. في تلك الفترة ابتعد شبابنا عن ممارسة الأعمال المهنية، حتى ظَنَّ بهم مَنْ لا يعرف تاريخ هذا البلد أنهم سيعيشون عالة على غيرهم وأنّهم لا يستطيعون تدبير أمورهم بأنفسهم.

ليس صحيحاً أن الشباب السعوديّ قد أفسدته (الطفرة) وبات غير قادر على الإنتاج، بل هو منتجٌ مبدعٌ.. لكن من المهم هنا أن يعي الشابّ السعوديّ حقيقة أن العمل الحُر الحلال لا يعيبُ أحداً، فقد كان أنبياء الله صلوات الله وسلامه عليهم يعملون بالرعي والنجارة والحدادة.. والانخراط في هذه المجالات المهنية سيوفر للوطن كفاءات فاعلة تغنيه عن الاحتياج للآخرين، وسيحدُث توازناً محموداً، وتوزيعاً سليماً، بين من يسهم بعلمه وفكره وماله، ومن يسهم بعمل يده، فيحصل التكامل والتكافل.. لقد وضع ولي العهد يحفظه الله رؤية المملكة (2030) ولهذه الرؤية أهدافاً طموحةً، لن نتمكن من تحقيقها ما لم نخض كل مجال، ونقتحم كل ميدان بعيداً عن ثقافة كانتْ تتوهّم (العيب) فيما هو في حقيقته شرفٌ للإنسان.